الريان
03-03-2010, 08:09 PM
بدا أحمد الكاتب متفائلا بمستقبل التحولات في الفكرين الشيعي والسني على نحو ما يسميه "بالخلافة الديمقراطية"، ورأى أن التشيع والتسنن عناوين وهمية ليست واقعية؛ "ولذلك فهو يرفض حشره في مثل هذه القوالب".
وفيما يلي الحوار كاملا:
* ما هي آخر مراجعاتكم في الفكر الإسلامي شيعيه وسنيه؟
** آخر ما توصلت إليه من خلال دراستي للفكرين السني والشيعي هو أن جوهر الخلاف بين الفكرين يتمثل ويدور حول السياسة، أو بعبارة أخرى الدستور الذي بمقتضاه تسير حياة الناس وكيفية انتخاب هذا الحاكم، وما هي شروط انتخابه وما هي علاقته بالأمة.
وهو الذي يدخل اليوم فيما يسمى "الفكر الدستوري"، وأعتقد أن الخلاف السني الشيعي في هذه المسألة والذي كان في الزمن الأول لم يعد له معنى اليوم مع تطور الفكر السياسي لدى الطرفين إلى فكر ديمقراطي، وهو فكر يقوم على الانتخاب الحر للحاكم واشتراط مواصفاته التي تقوم على تحديد علاقته بالشعب وتقسيم السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وهذا التطور الحديث هو بمثابة تطور للفكرين الشيعي والسني؛ ولذلك فإن جوهر الخلاف القديم لم يبق منه في الوقت الحالي إلا خلافات جزئية وبسيطة متمثلة في بعض الأحكام الفقهية البسيطة، والتي تعتبر في نظري هامشية، مع بقاء بعض الطقوس التي أعتقد أنها لا تدخل في تحديد هوية الطائفة، وربما يرد البعض علي ويقول بأنها تشكل هوية هذه الطائفة أو تلك، ولكنها -إذا أخضعناها للتمحيص الفكري- لا تشكل أمرا ذا بال، وهو الأمر الذي يمكن برأيي أن يفتح الأبواب إلى عصر جيد من الوحدة والتعاون بين المسلمين عموما دون التقيد بجزئيات الطائفتين.
* في إطار "مشروع الوحدة بين الطائفتين" هل تعتبر نفسك شيعيا تسنن أم شيعيا يريد إصلاح الفكر الشيعي.. بماذا تعرف نفسك؟
** أنا قلت إن الخلاف تاريخي، وبكلمة أخرى هو بائد ومنقض، فلا يجوز لي أن أقول لك إني سني أو شيعي، إنما أنا مسلم.
والله أطلق علينا صفة المسلمين فقط، ولم يطلق علينا صفة شيعي أو سني أو بعض التقسيمات الأخرى من مالكي أو حنبلي أو حنفي أو أصولي.
وإذا دخلنا في هذه التقسيمات فلن ننتهي، وأما الاسم الإسلامي فهو المسلمين، وبرأيي يجب أن نكتفي بهذا الاسم فقط ونتحرر من منطق التقليد للسابقين.
وفي اعتقادي أن هذه الأسماء تأتي من تقليد الأئمة السابقين، وإذا تحررنا منها وعدنا إلى الإسلام فقط فهذا يكفينا.
وهذا لا يعني أنه لا توجد اختلافات فقهية، وهي برأيي اختلافات بسيطة يمكن معالجتها ويمكن أن نتجاوزها بحرية الانتقاء من كل المذاهب والاحترام لها جميعا مع الاكتفاء فقط باسم الإسلام والمسلمين.
* ألا تعتقد أن هذه القراءة "تفاؤلية" في ظل التشرذم الذي أصبح فيه البعض يرى "الإسلام" الواحد "إسلامات" وقراءات متعددة تصل إلى حد العداوة والتناقض وحتى المواجهة المسلحة في أحيان كثيرة؟
** لا.. الإسلام هو إسلام واحد وليس إسلامات متعددة، انظر إلى جميع المذاهب الإسلامية تجدهم جميعا يتفقون على أن الله واحد وأن النبوة حق وأن القرآن حق وأن المعاد في اليوم الآخر حق، وهذه أسس الإسلام، ويتفقون في العبادات مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها، وكل المسلمين يتفقون على القيم الإسلامية ويتفقون على أحكام الشرعية.
وبهذا المعنى فإن الإسلام واحد وليس "إسلامات"، وإنما جاء الاختلاف في الفكر السياسي، وهو ما أدخله البعض في خانة الدين، ولم يكن من الدين في شيء.
فالإسلام ترك مساحة للعقل الإنساني حسب ظروف المسلمين والزمان والمكان لكي يرسموا حياتهم السياسية كما يشاءون، ووضع الأسس والقيم الأخلاقية لإدارة الحكم، وهي العدل والشورى واحترام القيم الإسلامية.
وفي فترة معينة كان المسلمون ينتخبون بهذه الطريقة، وفي فترة أخرى انتخبوا بطريقة أخرى، ومرة كان النظام نظام أهل الحل والعقد كان أقرب ما يكون إلى نظام برلماني، ومرة كان نظاما رئاسيا، أي انتخاب مباشر للخليفة أو للسلطان أو للحاكم من قبل المسلمين.
وهذه الأمور الاختلاف فيها ليس من الدين، وإنما اختلاف موضوعي ظرفي في زمن معين، ولهذا أعيد القول إنه لا توجد إسلامات متعددة بخلاف المسيحية التي تحتوي على أديان مسيحية، فالكاثوليك يعتبرون أنفسهم دينا مستقلا عن البروتستانت أو الأرثوذكس، ولكن في الإسلام الاشتراك عام في الموقف من التوحيد والقرآن والنبوة ومن المعاد، والموقف من الصلاة والصوم وغيرها من العبادات.
وفي المحرمات أيضا، الزنا بالنسبة لنا حرام والخمر حرام والكذب حرام، وهي كلها أشياء متفق عليها ولا توجد خلافات حولها.
والمساحة المتروكة للاختلاف بين المسلمين ليست اختلافا في الدين، ولكنها اختلاف في السياسة والحكم السياسي وتفاصيل الدستور، مثلا تنظيم العلاقات بين المسلمين بحسب الاتفاق الذي يجري بينهم في أي بلد أو في أي مجتمع، وفي أي ظرف وفي أي زمان أو مكان، وهذا مسموح به، ويجب أن يتسع صدرنا لتقبل الخلاف مع الآخرين في هذا المجال.
* ولكن بماذا تفسر هذه الضجة التي أثيرت مؤخرا والخلاف السني الشيعي والذي وصل في أحيان كثيرة إلى اتهامات متبادلة بالخروج عن الدين والذي وصل في بعض المناطق إلى حد التقاتل؟
** لا.. لم يصل إلى حد التقاتل!!
* في العراق مثلا..
** لا.. لم يحدث قتال حتى في العراق.. لم يحدث قتال بين الشيعة والسنة على أساس الشيعة والسنة، فهناك خلاف سياسي يحدث بين الطائفة الواحدة أيضا، وحدث فعلا في إطار الحزب الواحد، وإنما يتخذ هذا الخلاف أبعادا طائفية، والطائفية بهذا المعنى هي أشبه بالقومية وليست بالمذهبية، يعني ما نراه في بعض الأحيان هو الانتماء القومي وليس الانتماء المذهبي.
وهذه الأسماء فقدت معناها، فصفة الشيعي أو السني تطلق في العراق على الشيوعي والبعثي واللاديني والعلماني.. فنحن هنا إزاء خلاف قومي -وليس دينيا أو مذهبيا- بين هذه القومية وبين تلك، مثل الخلاف بين العرب والأكراد.
المشكلة أن الخلاف السياسي لم يكن في دائرة الدين، ولكنه تحول أو أضفي عليه عبر التاريخ صفة دينية، فأصبح المذهب السياسي جزءا من الدين، فأصبحت الخلافة مثلا جزءا من الدين، وأصبحت الإمامة جزءا من الدين، وأصبح الناس ينظرون إليها كذلك.
وهنا نحن أضفينا صفة دينية على السياسي بمعنى "ديَّنا" السياسي، وهنا حدث الخطأ وظن الناس أن هناك "إسلامات" متعددة لأنهم يحسبون الخلافات المذهبية السياسية خلافات دينية، ويعتقدون أن هناك مفاهيم إسلامية متعددة، سنية وشيعية وكذا وكذا، وهي في جوهرها خلافات سياسية خارج إطار الدين.
الخلافة فكرة شعبية
وفيما يلي الحوار كاملا:
* ما هي آخر مراجعاتكم في الفكر الإسلامي شيعيه وسنيه؟
** آخر ما توصلت إليه من خلال دراستي للفكرين السني والشيعي هو أن جوهر الخلاف بين الفكرين يتمثل ويدور حول السياسة، أو بعبارة أخرى الدستور الذي بمقتضاه تسير حياة الناس وكيفية انتخاب هذا الحاكم، وما هي شروط انتخابه وما هي علاقته بالأمة.
وهو الذي يدخل اليوم فيما يسمى "الفكر الدستوري"، وأعتقد أن الخلاف السني الشيعي في هذه المسألة والذي كان في الزمن الأول لم يعد له معنى اليوم مع تطور الفكر السياسي لدى الطرفين إلى فكر ديمقراطي، وهو فكر يقوم على الانتخاب الحر للحاكم واشتراط مواصفاته التي تقوم على تحديد علاقته بالشعب وتقسيم السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وهذا التطور الحديث هو بمثابة تطور للفكرين الشيعي والسني؛ ولذلك فإن جوهر الخلاف القديم لم يبق منه في الوقت الحالي إلا خلافات جزئية وبسيطة متمثلة في بعض الأحكام الفقهية البسيطة، والتي تعتبر في نظري هامشية، مع بقاء بعض الطقوس التي أعتقد أنها لا تدخل في تحديد هوية الطائفة، وربما يرد البعض علي ويقول بأنها تشكل هوية هذه الطائفة أو تلك، ولكنها -إذا أخضعناها للتمحيص الفكري- لا تشكل أمرا ذا بال، وهو الأمر الذي يمكن برأيي أن يفتح الأبواب إلى عصر جيد من الوحدة والتعاون بين المسلمين عموما دون التقيد بجزئيات الطائفتين.
* في إطار "مشروع الوحدة بين الطائفتين" هل تعتبر نفسك شيعيا تسنن أم شيعيا يريد إصلاح الفكر الشيعي.. بماذا تعرف نفسك؟
** أنا قلت إن الخلاف تاريخي، وبكلمة أخرى هو بائد ومنقض، فلا يجوز لي أن أقول لك إني سني أو شيعي، إنما أنا مسلم.
والله أطلق علينا صفة المسلمين فقط، ولم يطلق علينا صفة شيعي أو سني أو بعض التقسيمات الأخرى من مالكي أو حنبلي أو حنفي أو أصولي.
وإذا دخلنا في هذه التقسيمات فلن ننتهي، وأما الاسم الإسلامي فهو المسلمين، وبرأيي يجب أن نكتفي بهذا الاسم فقط ونتحرر من منطق التقليد للسابقين.
وفي اعتقادي أن هذه الأسماء تأتي من تقليد الأئمة السابقين، وإذا تحررنا منها وعدنا إلى الإسلام فقط فهذا يكفينا.
وهذا لا يعني أنه لا توجد اختلافات فقهية، وهي برأيي اختلافات بسيطة يمكن معالجتها ويمكن أن نتجاوزها بحرية الانتقاء من كل المذاهب والاحترام لها جميعا مع الاكتفاء فقط باسم الإسلام والمسلمين.
* ألا تعتقد أن هذه القراءة "تفاؤلية" في ظل التشرذم الذي أصبح فيه البعض يرى "الإسلام" الواحد "إسلامات" وقراءات متعددة تصل إلى حد العداوة والتناقض وحتى المواجهة المسلحة في أحيان كثيرة؟
** لا.. الإسلام هو إسلام واحد وليس إسلامات متعددة، انظر إلى جميع المذاهب الإسلامية تجدهم جميعا يتفقون على أن الله واحد وأن النبوة حق وأن القرآن حق وأن المعاد في اليوم الآخر حق، وهذه أسس الإسلام، ويتفقون في العبادات مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها، وكل المسلمين يتفقون على القيم الإسلامية ويتفقون على أحكام الشرعية.
وبهذا المعنى فإن الإسلام واحد وليس "إسلامات"، وإنما جاء الاختلاف في الفكر السياسي، وهو ما أدخله البعض في خانة الدين، ولم يكن من الدين في شيء.
فالإسلام ترك مساحة للعقل الإنساني حسب ظروف المسلمين والزمان والمكان لكي يرسموا حياتهم السياسية كما يشاءون، ووضع الأسس والقيم الأخلاقية لإدارة الحكم، وهي العدل والشورى واحترام القيم الإسلامية.
وفي فترة معينة كان المسلمون ينتخبون بهذه الطريقة، وفي فترة أخرى انتخبوا بطريقة أخرى، ومرة كان النظام نظام أهل الحل والعقد كان أقرب ما يكون إلى نظام برلماني، ومرة كان نظاما رئاسيا، أي انتخاب مباشر للخليفة أو للسلطان أو للحاكم من قبل المسلمين.
وهذه الأمور الاختلاف فيها ليس من الدين، وإنما اختلاف موضوعي ظرفي في زمن معين، ولهذا أعيد القول إنه لا توجد إسلامات متعددة بخلاف المسيحية التي تحتوي على أديان مسيحية، فالكاثوليك يعتبرون أنفسهم دينا مستقلا عن البروتستانت أو الأرثوذكس، ولكن في الإسلام الاشتراك عام في الموقف من التوحيد والقرآن والنبوة ومن المعاد، والموقف من الصلاة والصوم وغيرها من العبادات.
وفي المحرمات أيضا، الزنا بالنسبة لنا حرام والخمر حرام والكذب حرام، وهي كلها أشياء متفق عليها ولا توجد خلافات حولها.
والمساحة المتروكة للاختلاف بين المسلمين ليست اختلافا في الدين، ولكنها اختلاف في السياسة والحكم السياسي وتفاصيل الدستور، مثلا تنظيم العلاقات بين المسلمين بحسب الاتفاق الذي يجري بينهم في أي بلد أو في أي مجتمع، وفي أي ظرف وفي أي زمان أو مكان، وهذا مسموح به، ويجب أن يتسع صدرنا لتقبل الخلاف مع الآخرين في هذا المجال.
* ولكن بماذا تفسر هذه الضجة التي أثيرت مؤخرا والخلاف السني الشيعي والذي وصل في أحيان كثيرة إلى اتهامات متبادلة بالخروج عن الدين والذي وصل في بعض المناطق إلى حد التقاتل؟
** لا.. لم يصل إلى حد التقاتل!!
* في العراق مثلا..
** لا.. لم يحدث قتال حتى في العراق.. لم يحدث قتال بين الشيعة والسنة على أساس الشيعة والسنة، فهناك خلاف سياسي يحدث بين الطائفة الواحدة أيضا، وحدث فعلا في إطار الحزب الواحد، وإنما يتخذ هذا الخلاف أبعادا طائفية، والطائفية بهذا المعنى هي أشبه بالقومية وليست بالمذهبية، يعني ما نراه في بعض الأحيان هو الانتماء القومي وليس الانتماء المذهبي.
وهذه الأسماء فقدت معناها، فصفة الشيعي أو السني تطلق في العراق على الشيوعي والبعثي واللاديني والعلماني.. فنحن هنا إزاء خلاف قومي -وليس دينيا أو مذهبيا- بين هذه القومية وبين تلك، مثل الخلاف بين العرب والأكراد.
المشكلة أن الخلاف السياسي لم يكن في دائرة الدين، ولكنه تحول أو أضفي عليه عبر التاريخ صفة دينية، فأصبح المذهب السياسي جزءا من الدين، فأصبحت الخلافة مثلا جزءا من الدين، وأصبحت الإمامة جزءا من الدين، وأصبح الناس ينظرون إليها كذلك.
وهنا نحن أضفينا صفة دينية على السياسي بمعنى "ديَّنا" السياسي، وهنا حدث الخطأ وظن الناس أن هناك "إسلامات" متعددة لأنهم يحسبون الخلافات المذهبية السياسية خلافات دينية، ويعتقدون أن هناك مفاهيم إسلامية متعددة، سنية وشيعية وكذا وكذا، وهي في جوهرها خلافات سياسية خارج إطار الدين.
الخلافة فكرة شعبية