أول دمعة
09-30-2008, 05:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
- إن هنالك ثلاث جمل في آخر دعاء كميل، أرجو أن لا يقرأها مؤمن ولا مؤمنة، إلا وهو ملتفت لهذا المضمون.. والذي يستجاب في حقه هذا المضمون، فهو من أثرى الناس في عالم الوجود!.. إذا قرأ الإنسان دعاء كميل أربعين سنة، ولم تستجب له هذه الدعوة إلا قبل الوفاة بلحظات، فهو إنسان خرج من الغبن ومن الخسران!.. هذه الفقرات الثلاث هي: (واجعلني من أحسن عبيدك نصيبا عندك، وأقربهم منزلة منك، وأخصهم زلفة لديك).. إنها عبارات جداً كبيرة، وفخمة، ورائعة!.. ولكن -مع الأسف- نقرأها على نحو الاستحباب، بما أنه من المستحب قراءة دعاء كميل ليلة الجمعة!..
- إن الإنسان قد يقول: أنا أكاد أيأس من هذه الدرجة، فلماذا أطلب من الله مستحيلاً، كالذي يقول: يا رب!.. ارزقني الطيران في الجو من دون جناح؟!.. ولكن علياً (ع) كأنه يريد أن يرفع الاستغراب، فيقول: (فإنه لا ينال ذلك إلا بفضلك، وجد لي بجودك).. فالقضية قضية فضل، وقضية لطف، وليس استحقاق أبداً!.. الذي جعل النسر يحلق في الأجواء العالية من هذه البيضة المستضعفة، هل من الغريب أن يجعل الإنسان يحلق في الأجواء العليا في سماء المعنى؟.. فالرب هو الرب، والهادي هو الهادي!..
- بعض المحطات التأملية في سورة مريم:
- إن هناك محطات تأمل جميلة جداً في سورة مريم!.. هذه السورة التي ينبغي لكل مؤمنة أن تقرأها، لا قراءة من أجل تيسير ساعة الولادة مثلاً.. ولكن هذه السورة وسورة النور، من السور التي يطلب من المؤمنات قراءتها قراءة واعية ومتأملة!..
- إن السورة تبدأ بذكر بطل القصة، وهو زكريا (ع) ذلك الذي كان كافلاً لمريم.. فلزكريا (ع) حق على المسيح، لأن زكريا كان له دور تربوي، فهو كان كفيلاً لهذه المرأة الطاهرة.. والحق على الأم، يسري على الأولاد أيضاً!.. وبعبارة أخرى: لزكريا حق على المسلمين والمسيحيين في زمان الظهور، لأن عيسى المسيح (ع) سيهبط إلى الأرض، ليكون في ركاب الإمام المهدي (عج).. ووجود المسيح (ع) مع المهدي (عج) من موجبات قوة انتشار الإسلام بين المسيحيين، وتقوية خط الإيمان في صفوف المسلمين، فهذه تكون ببركات من عيسى (ع).. وعيسى (ع) هو ابن مريم (ع)، التي هي ربيبة زكريا (ع).. وبالتالي، فإنه يكون لزكريا حق علينا في زمان الظهور.
- إن زكريا (ع) هذا النبي العظيم، كان محروماً من الذرية، وكان يتمنى من الله -عز وجل- ذرية طيبة.. فناجى ربه وطلب منه الذرية الصالحة، واستحيبت دعوته.. فما هي الدروس العملية التي يمكن أن يستفيدها المؤمن من ذلك؟..
الدرس الأول: قال تعالى في كتابه الكريم: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا}: احتار العلماء في تفسير هذه الآية، من ناحية يقول: {نَادَى}، والنداء فيه رفع الصوت، وفيه جهر.. ومن ناحية يقول: {خَفِيًّا}، إذا كان بالإخفات، لماذا قال: {نَادَى}؟.. وإذا كان هو جهر، لماذا قال: {خَفِيًّا}؟.. فكيف نجمع بينهما؟.. قال العلماء في هذا المجال: بأن {نَادَى}؛ أي جهر بصوته، والتجأ إلى ربه.. ولكن ليس في العلن إنما في الخفية؛ أي عندما خلى بربه، كان ينادى ربه نداءً.. والنداء هو رفع الصوت، ويناسب الملمات.. ولهذا يونس (ع) في بطن الحوت نادى ربه؛ لأن الموقف عصيب، فهو في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت.. فهو يحتاج إلى أن يرفع صوته!..
- فإذن، إن المؤمن له حالات مختلفة: تارة يناجي ربه سراً في العلن، وتارة ينادي ربه نداء في السر.. وما أجمل هذه الفقرة للإمام علي (ع) في المناجاة الشعبانية!.. حيث يطلب (ع) من الله -عز وجل- هذه المنزلة.. يقول (ع) في المناجاة الشعبانية -وهي مناجاة الأئمة جميعاً-: (فناجيته سراً، وعمل لك جهراً)؛ أي المناجاة في السر، ولكن العمل في العلانية.. إن أراد الإنسان أن يختار شعاراً للعاملين في المجتمع، فليكن هذا الشعار: (ناجيته سراً، وعمل لك جهراً).
الدرس الثاني: قال زكريا (ع): {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}.. الإنسان المؤمن في مناجاته مع الله -عز وجل- يسترسل في الخطاب، إذ كان بإمكانه أن يقول: اللهم!.. هب لنا ذرية طيبة.. ولكنه أخذ يفصل، ويستعطف.. فقال: رب!.. أنا شيخ كبير، وهن العظم مني، ورأسي اشتعل شيباً.. وهذه من الصور البلاغية في القرآن الكريم، يشبه الرأس بنار مشتعلة، ولكن هذه النار ليست حمراء، إنها بيضاء، فهو بذلك يستعطف ربه.. أي يا رب انظر إلى وهني، وانظر إلى تقدم عمري.. فالإنسان إذا كبر سنه، كان في معرض الرحمة الإلهية.. وهنيئاً لمن أمضى شيبته في طاعة الله عز وجل!.. فرب العالمين يستحي أن يحرق نوره بناره، فشيبة المؤمن هي نور الإيمان!.. ولهذا المؤمن في شهر رجب، يمسك بشيبته ويقول: يا رب!.. حرّم شيبتي على النار!..
- فإذن، إن استعطاف رب العالمين، من أساليب الداعين بين يدي الله عز وجل.. فموسى (ع) في سفرته التي هرب منها من ظلم الظالمين، خرج منها خائفاً يترقب.. إنسان هارب، مطلوب للعدالة بتهمة القتل، يهيم على وجهه.. فهو مطلوب، وفقير، وجائع.. وإذا به -كما في بعض النصوص- بلغ بموسى الأمر إلى أنه يقتات من طعام الأرض، حتى بانت خضرة العلف من بطنه.. فعندما سقى لابنتي شعيب (ع)، لجأ إلى الظل ودعا ربه: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. ذكر فقره، وهو إنسان مطارد.. ذكر فقره، وهو إنسان جائع.. وذكر فقره، وهو أعزب يحتاج إلى قرين صالح.. نعم، الدعاء له مقدمات استعطافية.
الدرس الثالث: وقال (ع): {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}؛ أي يا رب!.. ما دمت بين يديك، وجعلت بيني وبينك حبلاً ممدوداً من الدعاء، فأنا سعيد!.. فالسعيد هو الذي يمشي وهو على صلة بمبدأ السعادة في الوجود!.. إن السر في شيوع الهواتف النقالة هذه الأيام، هو أن كل إنسان: كبير وصغير، امرأة ورجل يريد أن يكون على اتصال بمن يحب.. والإنسان إذا فقد جهازه في سفر، وخاصة في سفر خطير، فإنه يعيش الاضطراب!.. والمؤمن كذلك له هذا الجوال دائماً وأبداً: إذا وقع في أزمة، أو في مصيبة، يكفي أن يشغل الجهاز ويبعث برقية مستعجلة إلى الله -سبحانه وتعالى- يقول عشر مرات منادياً ربه: يا الله!.. وإذا بالنصر ينزل عليه.. في معركة بدر دعا النبي (ص) ربه، فاستجاب الله دعوته، وأنزل الملائكة المسومة.. لذا علينا أن نقتني هذا الجوال الذي يعمل، والذي له خط، والذي له رصيد.. فالدعاء الشكلي الذي لا رصيد له، بمثابة جوال لا شحن فيه، ولا بطاقة فيه.. وعندئذ يكون الإنسان يتشبه بالمتصلين، ولكن لا اتصال في البين!..
الدرس الرابع: ثم يقول زكريا (ع) لربه: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.. فركريا (ع) لا يريد الذرية لتكون أداة لكسب المعاش، ولكنه يقدم مفهوما آخر لطلب الذرية والنبوة.. يريد ذرية كي يكمل خطه في الحياة: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}.. فالمؤمن يريد ذرية، ليحقق بعض آماله التي لم يحققها.. وهنيئاً لمن ينظر إلى الذرية من هذا المنطلق، من منطلق إدامة الوجود!.. ورب العالمين شكور رؤوف، وهو أجلّ من أن يهمل هكذا إنسان!.. فأجره يستمر إلى القبر، وقد قال الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو عمل صالح يدعو له).. والذي يريد الذرية الصالحة، فعليه أن يبحث عن الزوجة الصالحة!.. ومن يريد منبتاً طيباً لولد طيب، لا ينظر إلى بعض المقاييس العرفية الباطلة: جمالاً، ومالاً، ونسباً، وشرفاً، وما شابه ذلك.. بل ينظر في النساء أية امرأة تحمل نطفته المباركة، فهو يريد رحماً، ويريد امرأة عفيفة، تهيئ ولده لأن يكون امتداداً له بعد مماته.. والذين يتزوجون من هذا المنطلق، وبهذه النية.. فإن رب العالمين يبارك في حياتهم!..
- إن هنالك ثلاث جمل في آخر دعاء كميل، أرجو أن لا يقرأها مؤمن ولا مؤمنة، إلا وهو ملتفت لهذا المضمون.. والذي يستجاب في حقه هذا المضمون، فهو من أثرى الناس في عالم الوجود!.. إذا قرأ الإنسان دعاء كميل أربعين سنة، ولم تستجب له هذه الدعوة إلا قبل الوفاة بلحظات، فهو إنسان خرج من الغبن ومن الخسران!.. هذه الفقرات الثلاث هي: (واجعلني من أحسن عبيدك نصيبا عندك، وأقربهم منزلة منك، وأخصهم زلفة لديك).. إنها عبارات جداً كبيرة، وفخمة، ورائعة!.. ولكن -مع الأسف- نقرأها على نحو الاستحباب، بما أنه من المستحب قراءة دعاء كميل ليلة الجمعة!..
- إن الإنسان قد يقول: أنا أكاد أيأس من هذه الدرجة، فلماذا أطلب من الله مستحيلاً، كالذي يقول: يا رب!.. ارزقني الطيران في الجو من دون جناح؟!.. ولكن علياً (ع) كأنه يريد أن يرفع الاستغراب، فيقول: (فإنه لا ينال ذلك إلا بفضلك، وجد لي بجودك).. فالقضية قضية فضل، وقضية لطف، وليس استحقاق أبداً!.. الذي جعل النسر يحلق في الأجواء العالية من هذه البيضة المستضعفة، هل من الغريب أن يجعل الإنسان يحلق في الأجواء العليا في سماء المعنى؟.. فالرب هو الرب، والهادي هو الهادي!..
- بعض المحطات التأملية في سورة مريم:
- إن هناك محطات تأمل جميلة جداً في سورة مريم!.. هذه السورة التي ينبغي لكل مؤمنة أن تقرأها، لا قراءة من أجل تيسير ساعة الولادة مثلاً.. ولكن هذه السورة وسورة النور، من السور التي يطلب من المؤمنات قراءتها قراءة واعية ومتأملة!..
- إن السورة تبدأ بذكر بطل القصة، وهو زكريا (ع) ذلك الذي كان كافلاً لمريم.. فلزكريا (ع) حق على المسيح، لأن زكريا كان له دور تربوي، فهو كان كفيلاً لهذه المرأة الطاهرة.. والحق على الأم، يسري على الأولاد أيضاً!.. وبعبارة أخرى: لزكريا حق على المسلمين والمسيحيين في زمان الظهور، لأن عيسى المسيح (ع) سيهبط إلى الأرض، ليكون في ركاب الإمام المهدي (عج).. ووجود المسيح (ع) مع المهدي (عج) من موجبات قوة انتشار الإسلام بين المسيحيين، وتقوية خط الإيمان في صفوف المسلمين، فهذه تكون ببركات من عيسى (ع).. وعيسى (ع) هو ابن مريم (ع)، التي هي ربيبة زكريا (ع).. وبالتالي، فإنه يكون لزكريا حق علينا في زمان الظهور.
- إن زكريا (ع) هذا النبي العظيم، كان محروماً من الذرية، وكان يتمنى من الله -عز وجل- ذرية طيبة.. فناجى ربه وطلب منه الذرية الصالحة، واستحيبت دعوته.. فما هي الدروس العملية التي يمكن أن يستفيدها المؤمن من ذلك؟..
الدرس الأول: قال تعالى في كتابه الكريم: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا}: احتار العلماء في تفسير هذه الآية، من ناحية يقول: {نَادَى}، والنداء فيه رفع الصوت، وفيه جهر.. ومن ناحية يقول: {خَفِيًّا}، إذا كان بالإخفات، لماذا قال: {نَادَى}؟.. وإذا كان هو جهر، لماذا قال: {خَفِيًّا}؟.. فكيف نجمع بينهما؟.. قال العلماء في هذا المجال: بأن {نَادَى}؛ أي جهر بصوته، والتجأ إلى ربه.. ولكن ليس في العلن إنما في الخفية؛ أي عندما خلى بربه، كان ينادى ربه نداءً.. والنداء هو رفع الصوت، ويناسب الملمات.. ولهذا يونس (ع) في بطن الحوت نادى ربه؛ لأن الموقف عصيب، فهو في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت.. فهو يحتاج إلى أن يرفع صوته!..
- فإذن، إن المؤمن له حالات مختلفة: تارة يناجي ربه سراً في العلن، وتارة ينادي ربه نداء في السر.. وما أجمل هذه الفقرة للإمام علي (ع) في المناجاة الشعبانية!.. حيث يطلب (ع) من الله -عز وجل- هذه المنزلة.. يقول (ع) في المناجاة الشعبانية -وهي مناجاة الأئمة جميعاً-: (فناجيته سراً، وعمل لك جهراً)؛ أي المناجاة في السر، ولكن العمل في العلانية.. إن أراد الإنسان أن يختار شعاراً للعاملين في المجتمع، فليكن هذا الشعار: (ناجيته سراً، وعمل لك جهراً).
الدرس الثاني: قال زكريا (ع): {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}.. الإنسان المؤمن في مناجاته مع الله -عز وجل- يسترسل في الخطاب، إذ كان بإمكانه أن يقول: اللهم!.. هب لنا ذرية طيبة.. ولكنه أخذ يفصل، ويستعطف.. فقال: رب!.. أنا شيخ كبير، وهن العظم مني، ورأسي اشتعل شيباً.. وهذه من الصور البلاغية في القرآن الكريم، يشبه الرأس بنار مشتعلة، ولكن هذه النار ليست حمراء، إنها بيضاء، فهو بذلك يستعطف ربه.. أي يا رب انظر إلى وهني، وانظر إلى تقدم عمري.. فالإنسان إذا كبر سنه، كان في معرض الرحمة الإلهية.. وهنيئاً لمن أمضى شيبته في طاعة الله عز وجل!.. فرب العالمين يستحي أن يحرق نوره بناره، فشيبة المؤمن هي نور الإيمان!.. ولهذا المؤمن في شهر رجب، يمسك بشيبته ويقول: يا رب!.. حرّم شيبتي على النار!..
- فإذن، إن استعطاف رب العالمين، من أساليب الداعين بين يدي الله عز وجل.. فموسى (ع) في سفرته التي هرب منها من ظلم الظالمين، خرج منها خائفاً يترقب.. إنسان هارب، مطلوب للعدالة بتهمة القتل، يهيم على وجهه.. فهو مطلوب، وفقير، وجائع.. وإذا به -كما في بعض النصوص- بلغ بموسى الأمر إلى أنه يقتات من طعام الأرض، حتى بانت خضرة العلف من بطنه.. فعندما سقى لابنتي شعيب (ع)، لجأ إلى الظل ودعا ربه: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. ذكر فقره، وهو إنسان مطارد.. ذكر فقره، وهو إنسان جائع.. وذكر فقره، وهو أعزب يحتاج إلى قرين صالح.. نعم، الدعاء له مقدمات استعطافية.
الدرس الثالث: وقال (ع): {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}؛ أي يا رب!.. ما دمت بين يديك، وجعلت بيني وبينك حبلاً ممدوداً من الدعاء، فأنا سعيد!.. فالسعيد هو الذي يمشي وهو على صلة بمبدأ السعادة في الوجود!.. إن السر في شيوع الهواتف النقالة هذه الأيام، هو أن كل إنسان: كبير وصغير، امرأة ورجل يريد أن يكون على اتصال بمن يحب.. والإنسان إذا فقد جهازه في سفر، وخاصة في سفر خطير، فإنه يعيش الاضطراب!.. والمؤمن كذلك له هذا الجوال دائماً وأبداً: إذا وقع في أزمة، أو في مصيبة، يكفي أن يشغل الجهاز ويبعث برقية مستعجلة إلى الله -سبحانه وتعالى- يقول عشر مرات منادياً ربه: يا الله!.. وإذا بالنصر ينزل عليه.. في معركة بدر دعا النبي (ص) ربه، فاستجاب الله دعوته، وأنزل الملائكة المسومة.. لذا علينا أن نقتني هذا الجوال الذي يعمل، والذي له خط، والذي له رصيد.. فالدعاء الشكلي الذي لا رصيد له، بمثابة جوال لا شحن فيه، ولا بطاقة فيه.. وعندئذ يكون الإنسان يتشبه بالمتصلين، ولكن لا اتصال في البين!..
الدرس الرابع: ثم يقول زكريا (ع) لربه: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.. فركريا (ع) لا يريد الذرية لتكون أداة لكسب المعاش، ولكنه يقدم مفهوما آخر لطلب الذرية والنبوة.. يريد ذرية كي يكمل خطه في الحياة: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}.. فالمؤمن يريد ذرية، ليحقق بعض آماله التي لم يحققها.. وهنيئاً لمن ينظر إلى الذرية من هذا المنطلق، من منطلق إدامة الوجود!.. ورب العالمين شكور رؤوف، وهو أجلّ من أن يهمل هكذا إنسان!.. فأجره يستمر إلى القبر، وقد قال الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو عمل صالح يدعو له).. والذي يريد الذرية الصالحة، فعليه أن يبحث عن الزوجة الصالحة!.. ومن يريد منبتاً طيباً لولد طيب، لا ينظر إلى بعض المقاييس العرفية الباطلة: جمالاً، ومالاً، ونسباً، وشرفاً، وما شابه ذلك.. بل ينظر في النساء أية امرأة تحمل نطفته المباركة، فهو يريد رحماً، ويريد امرأة عفيفة، تهيئ ولده لأن يكون امتداداً له بعد مماته.. والذين يتزوجون من هذا المنطلق، وبهذه النية.. فإن رب العالمين يبارك في حياتهم!..