( خادم الحجة)
11-04-2010, 09:34 AM
محاضرات للسيد كمال الحيدري خارج الفقه
توطئة
ونحن نريد أن نبحث مدخلية الزمان والمكان في استكشاف وتحديد مواقف الأئمة تجاه حكومات عصرهم علينا بداية أن نفصّل الحديث عن دور الأمة في فعلية أو فاعلية الإمامة السياسية (والتي سيتضح المقصود منها لاحقاً) وبذلك نُسهم في إيضاح الرؤية العامة عن مفاصل هذا التطبيق، وننقح أيضاً موضوع جواز وعدم جواز الكفاح المسلّح أو المداراة والتعايش في حالة ما إذا تركنا الدور للأمة في اختيار حكامها.
دور الأمة في )فاعلية) الإمامة السياسية
بدايةً علينا استبعاد أن يكون حديثنا ـ في هذه المقدمة ـ عن الإمامة الوجودية التكوينية المتعلقة بوساطة الفيض أو المرجعية الدينية والتي حُرر الحديث عنها مفصلاً في محله، بل يقتصر حديثنا عن الإمامة السياسية ودور الأمة فيها. ولا نعني من (الإمامة السياسية) أي: (القيادة الخاصة) بالحقل السياسي فقط، بل مقصودنا منها (القيادة العامة) في كل المجالات والحقول الحياتية، اجتماعية تربوية تعليمية...الخ.
وقبل أن نبدأ باستعراض الاتجاهات في ذلك علينا إيجاز مقدمة:
الإمامة وأدوارها، عرض وتحليل
قد يحصر البعض الإمامة في بيان الشريعة والأحكام فقط، سواء أطبّق الناس هذه الأحكام والتزموا بها أم لا. أما إقامة الحكم الإسلامي فليس من مهام الإمام التي ينبغي السعي الحثيث إليها، مدللاً على ذلك بسيرة الأعم الأغلب من الأئمة عليهم السلام؛ إذ لم يسعى أحد منهم إلى إقامة الحكم الإسلامي في غضون تلك الفترة التي امتدت من ثورة الحسين (ع) حتى بداية الغيبة الصغرى([1]). وقد مارس النبي الأكرم (ص) هذين الدورين معاً، فبعد أن بيّن وجوب الأحكام، انتقل بعد ذلك لمتابعة الناس في تطبيقاتها.
لكن هناك من يسقّم هذا الاتجاه ويرى بأن مهمة الإمام (ع) لا تقتصر على بيان الأحكام والشريعة فقط، بل مهمته تتجاوز ذلك بكثير فتعطي للإمام مسؤولية إقامة الحكومة الإسلامية والسعي لإنجازها في حدود ما يملكه من أدوات وظروف، وينبغي عليه أن يتابع شؤونات التطبيق الأحكامية، وعليه أن يفرض المسؤولية الجزائية تجاه من يخالف ذلك أيضاً.
وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه الأخير على مدعاهم بمجموعة من الأدلة القرآنية والروائية سنعرض لها بشكل سردي، متوقفين مع بعضها بالتحليل والنقد.
أما الآيات القرآنية فمجموعة منها:
1ـ {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم}.
2ـ {ويسلموا تسليما}.
3ـ {ليس لهم الخيرة من أمرهم}([2]). إلى ذلك من الآيات.
أما الروايات فمنها عامة ومنها خاصة، أما العامة فمنها:
1ـ حديث الغدير: بتقريب أن التنصيص فيه كان مرتبطاً بالإمامة السياسية، لا بيان الشريعة والدين.
2ـ حديث الثقلين: بتقريب أن أوضح مصاديق الضلال المترتب على عدم التمسك بهما هو انحراف الحكم المؤدي إلى انحراف المجتمع وضلاله.
أما الخاصة فمنها:
1ـ ما جاء في الكافي الشريف عن الإمام الرضا (ع) في حديث يعتبر من أهم الأحاديث التي جاءت في بيان حقيقة الإمام والإمامة، حيث أحتوى على مضامين عالية ورفيعة ومنها ما يدلل على هذا الاتجاه، فقال في وصف الإمامة ومنزلتها: « إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِرْثُ الْأَوْصِيَاءِ إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللَّهِ وَخِلَافَةُ الرَّسُولِ (ص) وَمَقَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَمِيرَاثُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (ع).
إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَنِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاحُ الدُّنْيَا وَعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي وَفَرْعُهُ السَّامِي، بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَام،ِ وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَتَوْفِيرُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ، وَإِمْضَاءُ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، وَمَنْعُ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ، الْإِمَامُ يُحِلُّ حَلَالَ اللَّهِ وَيُحَرِّمُ حَرَامَ اللَّهِ، وَيُقِيمُ حُدُودَ اللَّه...»([3]).
ولا نجد حاجة لصرف مؤونة زائدة في البحث عن دلالة هذا النصّ؛ إذ إنَّ كون الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين...إلى آخر ذلك من الأوصاف التي جعلها النص لها يكشف عن عدم انحصارية دور الإمام في البعدين الأولين، بل هو بالإضافة إلى كونه كذلك معني بتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف...وهذه الأمور هي من شؤون البعد الثالث الذي نتحدث عنه.
من هنا فلم يقبل الأستاذ الشهيد افتراض تنازل الأئمة عليهم السلام عن هذا البعد (السياسي) كما يحلو للبعض تصويره؛ إذ إنَّ هذا التنازل يعني التنازل عن التشيع برمته. فاستنكر عليهم هذا القول مؤكداً في مقدمة كتاب تأريخ الإمامية على أن : « التشيع بعد أن فهمناه كصيغة لمواصلة القيادة الإسلامية، وهي لا تعني إلا ممارسة عملية التغيير التي بدأها الرسول الكريم (ص) في بناء الأمة على أساس الإسلام ، فليس من الممكن أن نتصور تنازل الأئمة عن الجانب السياسي إلا إذا تنازلوا عن التشيع»([4]).
ومن هنا حاول الأستاذ الشهيد أن يطرح ما يساعد على تفهّم اعتزال الأئمة وتخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم. وربط ذلك ـ أي التحرك ـ بإيجاب القناعة بوجود الأنصار والقدرة على تحقيق الأهداف الإسلامية من وراء ذلك العمل المسلح كما هي فحوى نصوص عديدة عنهم (ع).
الاتجاهات في دور الأمة، بين المثبت والنافي
وبعد أن اتضحت تلك المقدمة نسأل ونقول: هل إنَّ للأمة دور في الإمامة السياسية أم لا؟
هناك اتجاهان في دور الأمة بالنسبة للإمامة السياسية، اتجاه ذهب إلى إلغاء دورها ـ أي الأمة ـ بالمرة، وإن الله إذا قضى شيئاً ليس للأمة دور فيه، لا فعلياً ولا فاعلياً، وربما يكون هذا الاتجاه هو الراكز في الأذهان الشيعية.
وهناك من يفترض إن لقبول الأمة وبيعتها دور في فاعلية الإمامة السياسية لا في فعليتها، بمعنى إن الإمام يملك فعلية هذا الدور لكن فاعليته منوطة بقبول الأمة وبيعتها، وسينحصر دور الإمام في هذه الحالة ـ والشواهد التأريخية المؤكدة ستأتي لاحقاً ـ بالبعد الديني فقط.
من هنا يذهب هذا الاتجاه الأخير إلى افتراض شرطية رضا الأمة وقبولها في فاعلية الإمامة السياسية، رغم أن فعليتها ثابتة لا تحتاج إلى قبول، فالمشروع الذي يحمله الإمام لا نقص ولا ثغرة فيه، لكن ثمرته ونماءه واستواءه على سوقه لا يتحقق ما لم تقبل الأمة، وعليه فلم تربط الآيات القرآنية الكريمة إقامة القسط ـ بعد إرسال الرسل المحمّلين بالكتاب والميزان ـ بنفس الرسل، بل ربطت ذلك بالناس أنفسهم. قال تعالى:« لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط» سورة الحديد: الآية 25.
فالحق تعالى لم يكره الناس على اختيار شيء أو رفض شيء آخر، فصريح الآيات تؤكد على أن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا هو القضاء الحتمي، لكن المشيئة الإلهية تعلّقت بجعلهم مهديين لجعلهم، فما لم يتهيأ الناس لقبول المشروع الإلهي لا يكتب النجاح لهذا المشروع.
ولو فرضنا ـ كما هو واقع في الأعم الأغلب من حياة الأئمة عليهم السلام ـ عدم مبايعة الأمة للإمام (ع)، وفسرنا عدم المبايعة بأي نحو من الأنحاء، لجهل أو لقصور أو لعناد أو مكابرة فما هو الدور الذي ينبغي على الإمام أن يؤديه، فهل ينبغي عليه المواجهة والتأسيس للكفاح المسلّح، أم المدارة والتعايش السلمي بأي نحو من الأنحاء؟
من الطبيعي أن مرتكز هذه الانبغاءات ليس أمراً راكزاً منضبطاً نحاول تطبيقه على المقام، بل علينا استشكافه من خلال سيرتهم وطُرق تعاملهم مع تلك الحكومات، وقبل أن ننتقل إلى محاولة استكشاف شرعية العمل من خلال سيرتهم علينا العودة أولاً إلى مؤيدات هذا الاتجاه من النصوص الروائية التي وردت عنهم، وهي كثيرة لكنا سنقتصر على ذكر أهمها دون التوقف التفصيلي لتحليلها:
1ـ «فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلَادِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا وَنَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَذَبْتُمُوهَا اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي وَنَكَثَا بَيْعَتِي وَأَلَبَا النَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَلَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا...»([5]).
2ـ « فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَه»([6]).
3ـ « َ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكَعَاب»([7]).
4ـ « أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَإِنْ كَتَمْتُمَا أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي وَلَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي وَإِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَاصِبٍ وَلَا لِعَرَضٍ حَاضِرٍ فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ وَلَعَمْرِي مَا كُنْتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ وَإِنَّ دَفْعَكُمَا هَذَا الْأَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِه»([8]).
5ـ « ما جاء عن السَّيِّدُ عَلِيُّ بْنُ طَاوُوسٍ فِي كَشْفِ الْمَحَجَّةِ، نَقْلًا عَنْ كِتَابِ الرَّسَائِلِ لِلْكُلَيْنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع كِتَاباً بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ النَّهْرَوَانِ وَأَمَرَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ وَذَكَرَ الْكِتَابَ وَهُوَ طَوِيلٌ وَفِيهِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فَقَالَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَكَ (وِلَاءُ أُمَّتِي) فَإِنْ وَلَّوْكَ فِي عَافِيَةٍ وَأَجْمَعُوا عَلَيْكَ بِالرِّضَا فَقُمْ بِأَمْرِهِمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَمَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجاً»([9]).
6ـ «...فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ إلي كَعُرْفِ الضَّبُعِ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَشُقَّ عطافى مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى وَفسق آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا، أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أن لا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز»([10]).
7ـ ومن كلام له عليه السلام لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان: «دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً»([11]).
8ـ ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية:
«إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ([12])، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى إتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَلَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ...»([13]).
9ـ َوعنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) عَلَى الْمِنْبَرِ حِينَ اجْتَمَعَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ زَعَمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ لِلْخِلَافَةِ أَهْلاً وَلَمْ أَرَ نَفْسِي لَهَا أَهْلًا وَكَذَبَ مُعَاوِيَةُ أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّ اللَّهِ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ أَنَّ النَّاسَ بَايَعُونِي وَأَطَاعُونِي وَنَصَرُونِي لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَالْأَرْضُ بَرَكَتَهَا وَلِمَا طَمِعْتُمْ فِيهَا يَا مُعَاوِيَةُ، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ أَمْرَهَا رَجُلًا قَطُّ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالاً حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مِلَّةِ عَبَدَةِ الْعِجْلِ وَقَدْ تَرَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ هَارُون...»([14]).
وهناك مجموعة من الشواهد والنصوص المؤيدة لهذا الاتجاه يمكن العودة إليها مفصلاً في كتاب: (ولايت فقيه حكومت صالحان) باللغة الفارسية([15]).
ومن هنا ينبثق هذا التساؤل: في حالة عدم مبايعة الأمة الإمام ليتفعّل بعده الثالث أي القيادة السياسية، فما هو دور الإمام إذن؟ ربما تكون الإجابة على هذا التساؤل فنية أكثر إذا ما طرحناه بالصيغة التالية: هل إنَّ دور الأمة ورضاها هو بمثابة مقدمة الوجوب أم مقدمة الواجب؟ قد يختار البعض ـ خطأً ـ كونها مقدمة وجوب ـ كما يبدو ذلك في كتابات بعض المعاصرين ـ إلا أن الصحيح كما سيأتي لاحقاً أنها مقدمة واجب.
ولتوضيح هذا الخلاف لابد أن نبيّن بأن اختيار كون رضا الأمة مقدمة وجوب يعني عدم وجوب التحرّك لتحصيلها، نظير الاستطاعة بالنسبة للحج، أما إذا اخترنا كونها مقدمة واجب فينبغي على الأمة حينئذ تحصيلها كما هو الحال في الوضوء بالنسبة للصلاة.
عودة إلى أصل التطبيق:
لا شك بأن للزمان والمكان [بالمعنى المصطلح] تأثير في طبيعة الموقف الشرعي إزاء الحكومات والسلطات، ولأجل تحديد هذا الموقف علينا استكشاف شرعيته من سيرة الأئمة عليهم السلام؛ إذ لا يكون الموقف شرعياً ما لم يُستكشف من نصوص الأئمة وأفعالهم وأقاريرهم.
ربما يُغفل البعض أهمية المسألة فيضعها في خانة المسائل الثانوية لأسباب قد لا نعرف بعضها، إلا أن الرؤية التي ننطلق منها تدرج هذه المسألة في دائرة الأبحاث الأساسية التي لا مناص من اكتشاف الموقف منها، فهي ترتبط بالوظيفة الشرعية للمكلف (بالمعنى الأعم) إزاء الحكومات، الأعم من الظالمة والمغتصبة والمحتلة والطاغية.
نظرة سريعة إلى الواقع الشيعي الحالي كفيلة بالكشف عن الاستقطاب الواضح بين أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ إذ اختار البعض منهم اتجاه المقاومة والكفاح المسلح، ومال آخرون إلى السكوت والتقية والانسياق مع الوضع القائم بنحو من الأنحاء. ولا نريد أن نشكك في مناهج كل اتجاه وفي جدارة طرحه، بل لكل واحد منها منهج وتبرير شرعي يؤول إليه، لكن الكلام كل الكلام في التنظير العلمي الذي أوصل لهذه النتيجة أو تلك.
ولأجل تحديد هذا (الموقف) وإيجاد (التنظير) السليم له علينا استكشاف شرعيته من سيرة الأئمة عليهم السلام؛ إذ لا يكون الموقف شرعياً ما لم يُستكشف من نصوصهم وأفعالهم وأقاريرهم. لكن المشكلة التي تواجهنا ـ ونحن نريد استكشاف طبيعة هذا الموقف ـ هي تنوّع الموقف الإمامي إن صح هذا التعبير، ومن هنا يحق للباحث أن يتساءل عن أي المواقف يختار ليكون سمةً لمواقف الأمم تجاه حكامها، فهل هو الموقف العلوي الذي مارس دور المعارضة الإيجابية في أيام الخلافة الراشدة، أم هو الموقف الحسني الذي أضطر للصلح والمهادنة، أم هو الموقف الحسيني الذي ثأّر مع قلة الناصر والمعين، أم هو موقف الصادقين الذي انشغل أصحابه بالبحث والدرس والتعليم؟
يتحتم علينا ـ ونحن نبتغي شرعنة المواقف ـ الانطلاق في تحديدها ـ أي المواقف ـ من خلال رؤية مدللة، وهنا لابد لنا من الكشف عنها وعن معالمها البارزة كي لا نجانب الصواب في تحديد الموقف المناسب:
إنَّ الرؤية التي ننطلق منها لاستشكاف الموقف الشرعي تجاه الحكومات منوطة بتحديد ظروف المشرع، وحيث أن للمشرع مواقف متعددة في هذا المجال توجب بذل عناية كبيرة لتأطيرها، وجهد أكبر لتمييزها بعضها عن بعض؛ لكي لا نقع في إشكالية تناقض المواقف المعصومة.
ولإيضاح طريقة استكشاف هذه الرؤية ينبغي تقديم مقدمات:
1ـ تنطلق رؤيتنا من بديهية إنَّ للإسلام حكم وموقف في كل وقائع الحياة، فلابد أن يكون له موقف إزاء هذه المسألة، فالشريعة التي أخذت على عاتقها إيضاح الصغائر من المستحبات، لا يمكن تعقّل إهمالها لهذه المسألة الهامة؟! خصوصاً مع أتساع رقعة أتباع هذا المذهب في جميع أصقاع المعمورة. ويبقى الكلام في كيفية استكشاف الموقف السليم لها([16]).
لا يقال: إن مثل هذه الأمور تركت للفكر البشري ليحدد طبيعة التعامل معها، وليس للشارع نصوص واضحة في هذا المجال.
فإنه يقال: بغض النظر عن الأهمية الكبيرة التي يتمتع بها هذا البحث والتي لا يمكن للمشرّع أن يتركها سدى دون تحديد واضح، إلا أن أحكام الشارع لا تنحصر بالنصوص فقط، بل للمواقف العملية مساحة كبيرة في تحديد هذه الأحكام، ومحل كلامنا من هذا القبيل.
2ـ يضطر المشرّع [الرسول الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع)] في بعض الأحيان إلى ممارسة التكليف الشرعي عملياً ولو أدّت هذه الممارسة إلى تضحيات جسيمة حفاظاً على الملاك التشريعي العام من الاندراس والتشوّه والضياع ، ونجد ذلك واضحاً في عديد من القضايا المصيرية التي رأى الأئمة (ع) فيها ضرورة النزول إلى الساحة عملاً ولو كلفتهم هذه القضية الغالي والنفيس. فقد وصلت التضحيات بالأمير علي (ص) ـ مضافاً لتعرّضه الشديد لكثير من المصاعب والغصّات ـ ليقدّم عقليته الزهراء الطاهرة (روحي فداها ) فداءً للرسالة المحمدية الأصيلة، وهكذا توالت التضحيات تلو التضحيات حتى فاجعة كربلاء المقدسة، والتي بذل فيها الإمام الحسين (ع) روحه حينما تفعّلت أمامه ضرورة التضحية بالغالي والنفيس...
ويمكن أن نعزو هذه الممارسة العملية لأمور ثلاثة:
الأمر الأول: لإيضاح أن ما يقولونه عليهم السلام ليس أمراً غير قابل للتطبيق، بل هي أمور قابلة لذلك، وها هو المشرّع أمامكم يطبقها.وهذا يكشف عن الأهمية الخطيرة لنزول المشرّع لممارسة تشريعاته عملياً.
الأمر الثاني: بالممارسة تنكشف حدود النظرية وثغورها، ومن خلالها تتضح أيضاً مدياتها، مثال ذلك: التضحية بالأطفال الرضّع والنساء في واقعة كربلاء؛ حيث لم يتعقّل البعض مرافقتهم له (ع) واستفهموا عن أسبابه، فأجابهم (ع) بأن الموقف يستدعي ذلك.
الأمر الثالث: تتضاعف أهمية الممارسة العملية على البيانات النظرية بأضعاف كثيرة، وهو أمر لحظه المشرّع جداً في أحكامه المهمة، بدا ذلك واضحاً في عديد من مفاصله الأساسية كقضية استشهاد الحسين (ع) والتي أخذت مكاناً لا نظير له في قلوب المسلمين والأحرار في شتى بقاع العالم، رغم وجود بيانات الأئمة الكثيرة في مجال الظلم ومواجهة، إلا إن آية هذه الثورة هو الجانب العملي والتضحوي الكبير والذي لم تحمله غيرها من الثورات. أو موقف الإمام الرضا (ع) الذي قبل فيه دخول ولاية العهد ـ بعض النظر عن تخريجها الفني السليم ـ رغم مرارة قبولها في وقتنا الحاضر على مرجع من مراجع الدين، بأن يكون نائباً أولاً لرئيس الجمهورية الظالم، لكنه (ع) مارسها ليبيّن لنا التكليف الشرعي في مثل هذه الظروف والمعطيات. ويمكن أن يعد هذا الأمر أكثر أهمية من الأمور.
3ـ إنَّ قراءة تفاصيل ظروف الأئمة (ع) ومحاولة استكشافها ليس عملاً استرخائياً يجول فيه الباحث في الكتب التأريخية ليشبع فضوله فقط، بل هو مهمة فقهية عقائدية يسعى الباحث من خلالها الإجابة على تساؤلات الأمة الحاضرة، الأمة التي تبحث عن موقف الإسلام الحنيف تجاه حكوماتها المعاصرة، خصوصاً وإنَّ للإسلام التمامية والشمول لكل وقائع الحياة، بل حتى أرش الخدش.
إنَّ محاكمة مواقف الأئمة (ع) وفقاً لمقاييس علم السياسة المعاصر عملية إجهاض حقيقية لمشروع الرسالة المعصومة؛ إذ إنَّ هذه المحاكمة ستخلص في نهاية المرافعة إلى وضع بعض هذه المواقف في دائرة الأخطاء الإستراتيجية الفادحة، دون وعي مسبّق لاشتراطات المرحلة الخفية التي قدّرها الإمام فحكم بما حكم وقرر ما قرر، هذه الاشتراطات التي غابت على المرافعة أو رأتها وأهملت أهميتها، فجاءت المحاكمة مبتسرة وخالية من الشمولية.
لقد افترض بحثنا مفهوم العصمة كأصل موضوعي ثابت ومدلل، ومن هنا فلا يجوز محاكمة هذه التصرفات والمواقف وتخطئتها في نهاية المطاف، بل ما يعنينا هنا هو اكتشاف ظروفها وتأطيرها، وبالتالي معرفة الحكم المناسب لظروفها، فما هي الظروف التي جعلت الإمام علي (ع) ليمارس ما مارسه من دور في أيام الأول والثاني والثالث، وما هي الظروف التي حدت بأبنه الحسن (ع) إلى أن يهادن ويصالح، وما هي الظروف التي لم تترك للحسين (ع) مجالاً إلا التضحية والاستشهاد، وما هي الظروف التي جعلت أبنه السجاد (ع) يمارس الدعاء والاتقاء، وما هي الظروف التي جعلت الصادقين (ع) يخصصان كل أوقاتهما للتدريس وتربية الطلاب، وما هي الظروف التي سمحت للإمام الرضا (ع) أن يقبل ولاية العهد في ظل الحكومة الجائرة؟
علينا أن نكرر ما أسلفنا الحديث عنه سابقاً من أن قراءة هذه الظروف الموضوعية ليست أمراً ترفياً يجيب على هوس البحث العلمي الصرف، بل هي لتحديد سلامة الموقف الشرعي، هذا الموقف الذي يتخذ من تحركاتهم (ع) مرتكزاً صالحاً ومسوّغاً شرعياً لكل ما يريد أن ينجزه ويتحرك نحوه.
ونكرر هنا أيضاً ونؤكد على أن الدور المرجعي لعلماء الدين في زمن الغيبة ينبغي أن لا يُختزل في كتابة الرسائل العملية فقط، بل هو ريادة وقيادة وامتداد للإمامة في قيادة الأمة وتوجهاتها، وعليها تحديد موقف الأمة إزاء حكامها([17]).
ينبغي علينا ـ ونحن نعيش زمن الغيبة ـ أن نحدد ضوابط لتحركاتنا، وبذلك نبتعد عن فوضوية المواقف غير المبررة، فكما بين أهل البيت (ع) من خلال رواياتهم الأصول العملية كالبراءة والاشتغال، مارس علماء الأصول دور اكتشاف شرائط جريانها، فمتى تجري هذه الأصول ومتى لا تجري، ومتى تجري البراءة ومتى يجري الاشتغال، من هنا حقق الأصوليون هذه الشرائط فأكدوا على أن الشك إذا كان في أصل التكليف فتجري البراءة، أما إذا كان في المكلف به فهو مجرى للاشتغال.
ومن هنا علينا عقد بحث في هذه المسألة ليكون الإفتاء فيها على أساس تحديد ظروف هذه المواقف، وعلى الفقيه أن يمارس مهمتين:
المهمة الأولى: تحديد ظروف الموقف المعصوم
على الفقيه أن يمارس عملية استقصاء ومتابعة لجميع الظروف المحيطة بذلك الموقف الذي صدر من الإمام (ع)، وهي قاعدة عامة في مذهبنا الاستنباطي عند إرادة استكشاف موقف شرعي، أعم من أن يكون ذلك المستَكشَف (بالفتح) نصاً أو موقفاً عملياً، من هنا فلا نعدّ الفقيه فقيهاً حتى يكون عالماً بظروف صدور الحكم (الأعم من يكون مبرزاً بنص أو بموقف عملي).
المهمة الثانية: تحديد ظروف تطبيق الموقف
وعندما يريد الفقيه تطبيق هذا الموقف المستَنبط (بالفتح) على مورد ما، عليه أن يكون عارفاً بجميع ظروف المورد، وأن ينقح إمكانية جريان ذلك بشكل دقيق، وهو أمر لن يكون دون معرفته بجميع الظروف الزمانية والمكانية المحيطة به، الأعم من أن تكون اجتماعية أو سياسية أو ثقافية...الخ. وهذا على غرار شرائط جريان الأصول المبحوث عنها في علم أصول الفقه.ومن هنا نقول: لا نعد الفقيه فقيهاً حتى يكون عارفاً بزمانه.
على الفقيه في هذه المرحلة أن يحدد طبيعة الموقف المراد تطبيقه في المقام، وهو أمر عائد لمعرفته بطبيعة الظروف التي يتعايش فيها المورد، فهل هي ظروف تصلح لتطبيق الموقف العلوي فيها، أم الموقف الحسني أو الحسيني أو غيرهما من المواقف المعصومة الأخرى([18]).
هذه هي الرؤية التي نعتقد ضرورة توفّرها في مفهوم المرجعية المعنية بقيادة الأمة. اللهم إلا أن يقال بأن أفق المرجعية التي نراها لا يتعدى مسائل الطهارة والنجاسة...وما غايرها من أمور أخرى فلا علاقة له بها، أما من لا يلتزم بهذا الرؤية ويريد أن يدخل ليسجل رأياً في بعض الأمور (اجتماعية، سياسية، عامة) دون معرفته بظروف زمانه وملابساتها فهذا ما لا نرى له وجهاً معرفياً معقولاً.
إنَّ المرجعية ـ وفقاً لما نراه من إطار ـ لا ينبغي اختزالها في كتابة رسائل عملية وأخذ الحقوق المالية وتوزيعها، بل إنَّ دورها الأكبر قيادة الإمة وإدارة المجتمع ونيابة الإمام المعصوم (ع) في زمن الغيبة، ولا شك إن مثل هذا الدور تعاظمت خطورته وازدادت أهميته على نفس زمن الحضور؛ وذلك لتزايد التعقيدات وصعوبة إيجاد الحلول لها مع تقدّم الزمن وتطوّر الأمم.
ومن هذا المنطلق فحيث أننا لا نعلم كم هي الفترة التي يستمر فيها غياب الإمام (ع) لابد (للمرجعية) أن تصرف العناية إلى إدارة أبناء هذا المذهب بأفضل وجه يمكن، إدارتها في كل شؤون الحياة، ومتابعة أحوالهم ومشاكلهم، وهذه هي المهمة الأساسية الملقاة على عاتق المرجعية كما نفهمها ونراها ونؤسس لها.
لا يقال: بأن الأئمة (ع) تركوا الأمر إلينا، ولم تبيّن لا نصوصهم ولا مواقفهم مثل هذا التأسيس، وعلى البشرية بنموها وتطورها أن تجيد العمل على كل المستويات.
فأنه يقال: إنَّ عدم اهتمام الشريعة المزعوم يتنافى مع أبده بدهياتها؛ إذ تحملت الشريعة الغراء بيان أدق التفاصيل الاستحبابية الجزئية، فكيف جاز أن نتفرض إغفالها لمثل هذا الأمر الخطير؟!
وسيأتي مزيد عناية وتفصيل أكثر لهذا التطبيق الهامّ.
[/URL]([1]) ولعل جملة من مواقف مراجع الطائفة في عصر الغيبة تنسجم مع هذا الاتجاه مبررين عدم قياهم وسعيهم بسيرة الأئمة عليهم السلام.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref1)([2]) قد يقال: إن هذه الآيات مرتبطة بالنبي (ص) والأئمة (ع)؟
أقول: نعم ستأتي الإشارة إلى هذا البحث لاحقاً وأن الفقهاء في عصر الغيبة استثنوا من هذه الأدوار أم لا، وجد اتجاهان بين من حصر دورهم في ذلك، وبين من وسّع ذلك.
([3]) الكافي، مصدر سابق: ج1، ص200.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref3)([4]) من المقدمة التي كتبها الأستاذ الشهيد لكتاب تاريخ الإمامية للدكتور عبد الله فياض، بتصرف.
([5]) نهج البلاغة، مصدر سابق: 157.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref5)([6]) المصدر السابق: ص203ـ204.
([7]) ص268.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref7)([8]) ص384.
([9]) مستدرك الوسائل، مصدر سابق: ج11، ص78.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref9)([10]) نهج البلاغة، مصدر سابق: ص16
([11]) المصدر السابق: ص101.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref11)([12]) لقد جاء التشكيك العلوي في وقوع هذه الصغرى؛ حيث أن العديد من المهاجرين والأنصار لم يبايعوا، وقد أوضح ذلك في ما نُسب إليه من أبيات:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمشيرون غيَّبُ
وَإِنْ كُنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيْمَهُم فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ.
نهج البلاغة: ص441.
([13]) المصدر نفسه: ص312ـ313.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref13)([14]) الاحتجاج، الطبرسي، مصدر سابق: ج2، ص288ـ289.
([15]) الكتاب أعلاه هو للشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي (2006م) وهو صاحب الكتاب المثير للجدل الذي حمل عنوان: الحسين الخالد (شهيد جاويد)، وقد أحدث هذا الأخير ـ في وقت صدوره ـ صخب وجدال كبير في الوسط العلمي الشيعي، أدّى إلى تدخل بعض كبار المراجع آنذاك ضده، أمثال السيد شهاب الدين المرعشي والسيد محمد رضا الكلبايكاني و...وقد كتب في الردّ عليه مصنفات وتعلقيات عديدة نظير ما حرره الشيخ مرتضى مطهري والدكتور علي شريعتي والشيخ لطف الله الصافي والشيخ رضا الأستادي و...وللرجوع إلى تفاصيل أكثر حول هذه المواقف لاحظ: مقال للسيد حسن إسلامي تحت عنوان: العزاء سنة دينية أم فعل اجتماعي؟ نُشرت ترجمته في مجلة نصوص معاصرة: العدد 8.
[URL="http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref16"] (http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref15)([16]) التدليل على شمولية الشريعة لكل وقائع الحياة خارج عن محل بحثنا. ([17]) فهل إن الموقف الشرعي هو ما وقفه العلامة المجلسي مع الصفويين مثلاً، أم هو موقف سيدنا الشهيد الصدر إزاء النظام البعثي البائد، بل في داخل نفس الحوزة النجفيّة كانت الاتجاهات بين مؤيد لهذا الموقف وبين رافض. نشير إلى هذا دون محاولة التشكيك ـ والعياذ بالله ـ بمواقفهم، بل إنَّ لكل مرجع طريقته ومنهجه في فهم التكليف. ([18]) ربما يكون المثال الأوضح لفاعلية هذه الحاجة هو الالتباس الحاصل في الوضع الحالي القائم في العراق، فالاحتلال جاثم على صدر العراق وأبناءه من غير معرفة بزمن خروجه ومدى بقاءه، خصوصاً إذا تمت هذه الاتفاقية الأمنية المشؤومة ببنودها الخطيرة التي لم يُكشف عنها ـ نظير إعطائها للمحتل إمكانية اعتقال أي شخص حتى لو كان شخص رئيس الجمهورية، وعدم إمكانية إقالة الوزراء الأمنيين إلا بموافقتهم ـ وهنا يأتي هذا التساؤل: ما هو الموقف الشرعي في إطار هذه الظروف، هل هو المواجهة والكفاح المسلّح، أو هو المهادنة والتعايش السلمي بنحو من الأنحاء؟ لا شك بأن تعيين مثل هذه المواقف هو شأن المرجعية بعد تحققها من شرائط الوضع الداخلي والإقليمي والدولي.
توطئة
ونحن نريد أن نبحث مدخلية الزمان والمكان في استكشاف وتحديد مواقف الأئمة تجاه حكومات عصرهم علينا بداية أن نفصّل الحديث عن دور الأمة في فعلية أو فاعلية الإمامة السياسية (والتي سيتضح المقصود منها لاحقاً) وبذلك نُسهم في إيضاح الرؤية العامة عن مفاصل هذا التطبيق، وننقح أيضاً موضوع جواز وعدم جواز الكفاح المسلّح أو المداراة والتعايش في حالة ما إذا تركنا الدور للأمة في اختيار حكامها.
دور الأمة في )فاعلية) الإمامة السياسية
بدايةً علينا استبعاد أن يكون حديثنا ـ في هذه المقدمة ـ عن الإمامة الوجودية التكوينية المتعلقة بوساطة الفيض أو المرجعية الدينية والتي حُرر الحديث عنها مفصلاً في محله، بل يقتصر حديثنا عن الإمامة السياسية ودور الأمة فيها. ولا نعني من (الإمامة السياسية) أي: (القيادة الخاصة) بالحقل السياسي فقط، بل مقصودنا منها (القيادة العامة) في كل المجالات والحقول الحياتية، اجتماعية تربوية تعليمية...الخ.
وقبل أن نبدأ باستعراض الاتجاهات في ذلك علينا إيجاز مقدمة:
الإمامة وأدوارها، عرض وتحليل
قد يحصر البعض الإمامة في بيان الشريعة والأحكام فقط، سواء أطبّق الناس هذه الأحكام والتزموا بها أم لا. أما إقامة الحكم الإسلامي فليس من مهام الإمام التي ينبغي السعي الحثيث إليها، مدللاً على ذلك بسيرة الأعم الأغلب من الأئمة عليهم السلام؛ إذ لم يسعى أحد منهم إلى إقامة الحكم الإسلامي في غضون تلك الفترة التي امتدت من ثورة الحسين (ع) حتى بداية الغيبة الصغرى([1]). وقد مارس النبي الأكرم (ص) هذين الدورين معاً، فبعد أن بيّن وجوب الأحكام، انتقل بعد ذلك لمتابعة الناس في تطبيقاتها.
لكن هناك من يسقّم هذا الاتجاه ويرى بأن مهمة الإمام (ع) لا تقتصر على بيان الأحكام والشريعة فقط، بل مهمته تتجاوز ذلك بكثير فتعطي للإمام مسؤولية إقامة الحكومة الإسلامية والسعي لإنجازها في حدود ما يملكه من أدوات وظروف، وينبغي عليه أن يتابع شؤونات التطبيق الأحكامية، وعليه أن يفرض المسؤولية الجزائية تجاه من يخالف ذلك أيضاً.
وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه الأخير على مدعاهم بمجموعة من الأدلة القرآنية والروائية سنعرض لها بشكل سردي، متوقفين مع بعضها بالتحليل والنقد.
أما الآيات القرآنية فمجموعة منها:
1ـ {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم}.
2ـ {ويسلموا تسليما}.
3ـ {ليس لهم الخيرة من أمرهم}([2]). إلى ذلك من الآيات.
أما الروايات فمنها عامة ومنها خاصة، أما العامة فمنها:
1ـ حديث الغدير: بتقريب أن التنصيص فيه كان مرتبطاً بالإمامة السياسية، لا بيان الشريعة والدين.
2ـ حديث الثقلين: بتقريب أن أوضح مصاديق الضلال المترتب على عدم التمسك بهما هو انحراف الحكم المؤدي إلى انحراف المجتمع وضلاله.
أما الخاصة فمنها:
1ـ ما جاء في الكافي الشريف عن الإمام الرضا (ع) في حديث يعتبر من أهم الأحاديث التي جاءت في بيان حقيقة الإمام والإمامة، حيث أحتوى على مضامين عالية ورفيعة ومنها ما يدلل على هذا الاتجاه، فقال في وصف الإمامة ومنزلتها: « إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِرْثُ الْأَوْصِيَاءِ إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللَّهِ وَخِلَافَةُ الرَّسُولِ (ص) وَمَقَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَمِيرَاثُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (ع).
إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَنِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاحُ الدُّنْيَا وَعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي وَفَرْعُهُ السَّامِي، بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَام،ِ وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَتَوْفِيرُ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ، وَإِمْضَاءُ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، وَمَنْعُ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ، الْإِمَامُ يُحِلُّ حَلَالَ اللَّهِ وَيُحَرِّمُ حَرَامَ اللَّهِ، وَيُقِيمُ حُدُودَ اللَّه...»([3]).
ولا نجد حاجة لصرف مؤونة زائدة في البحث عن دلالة هذا النصّ؛ إذ إنَّ كون الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين...إلى آخر ذلك من الأوصاف التي جعلها النص لها يكشف عن عدم انحصارية دور الإمام في البعدين الأولين، بل هو بالإضافة إلى كونه كذلك معني بتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف...وهذه الأمور هي من شؤون البعد الثالث الذي نتحدث عنه.
من هنا فلم يقبل الأستاذ الشهيد افتراض تنازل الأئمة عليهم السلام عن هذا البعد (السياسي) كما يحلو للبعض تصويره؛ إذ إنَّ هذا التنازل يعني التنازل عن التشيع برمته. فاستنكر عليهم هذا القول مؤكداً في مقدمة كتاب تأريخ الإمامية على أن : « التشيع بعد أن فهمناه كصيغة لمواصلة القيادة الإسلامية، وهي لا تعني إلا ممارسة عملية التغيير التي بدأها الرسول الكريم (ص) في بناء الأمة على أساس الإسلام ، فليس من الممكن أن نتصور تنازل الأئمة عن الجانب السياسي إلا إذا تنازلوا عن التشيع»([4]).
ومن هنا حاول الأستاذ الشهيد أن يطرح ما يساعد على تفهّم اعتزال الأئمة وتخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم. وربط ذلك ـ أي التحرك ـ بإيجاب القناعة بوجود الأنصار والقدرة على تحقيق الأهداف الإسلامية من وراء ذلك العمل المسلح كما هي فحوى نصوص عديدة عنهم (ع).
الاتجاهات في دور الأمة، بين المثبت والنافي
وبعد أن اتضحت تلك المقدمة نسأل ونقول: هل إنَّ للأمة دور في الإمامة السياسية أم لا؟
هناك اتجاهان في دور الأمة بالنسبة للإمامة السياسية، اتجاه ذهب إلى إلغاء دورها ـ أي الأمة ـ بالمرة، وإن الله إذا قضى شيئاً ليس للأمة دور فيه، لا فعلياً ولا فاعلياً، وربما يكون هذا الاتجاه هو الراكز في الأذهان الشيعية.
وهناك من يفترض إن لقبول الأمة وبيعتها دور في فاعلية الإمامة السياسية لا في فعليتها، بمعنى إن الإمام يملك فعلية هذا الدور لكن فاعليته منوطة بقبول الأمة وبيعتها، وسينحصر دور الإمام في هذه الحالة ـ والشواهد التأريخية المؤكدة ستأتي لاحقاً ـ بالبعد الديني فقط.
من هنا يذهب هذا الاتجاه الأخير إلى افتراض شرطية رضا الأمة وقبولها في فاعلية الإمامة السياسية، رغم أن فعليتها ثابتة لا تحتاج إلى قبول، فالمشروع الذي يحمله الإمام لا نقص ولا ثغرة فيه، لكن ثمرته ونماءه واستواءه على سوقه لا يتحقق ما لم تقبل الأمة، وعليه فلم تربط الآيات القرآنية الكريمة إقامة القسط ـ بعد إرسال الرسل المحمّلين بالكتاب والميزان ـ بنفس الرسل، بل ربطت ذلك بالناس أنفسهم. قال تعالى:« لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط» سورة الحديد: الآية 25.
فالحق تعالى لم يكره الناس على اختيار شيء أو رفض شيء آخر، فصريح الآيات تؤكد على أن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا هو القضاء الحتمي، لكن المشيئة الإلهية تعلّقت بجعلهم مهديين لجعلهم، فما لم يتهيأ الناس لقبول المشروع الإلهي لا يكتب النجاح لهذا المشروع.
ولو فرضنا ـ كما هو واقع في الأعم الأغلب من حياة الأئمة عليهم السلام ـ عدم مبايعة الأمة للإمام (ع)، وفسرنا عدم المبايعة بأي نحو من الأنحاء، لجهل أو لقصور أو لعناد أو مكابرة فما هو الدور الذي ينبغي على الإمام أن يؤديه، فهل ينبغي عليه المواجهة والتأسيس للكفاح المسلّح، أم المدارة والتعايش السلمي بأي نحو من الأنحاء؟
من الطبيعي أن مرتكز هذه الانبغاءات ليس أمراً راكزاً منضبطاً نحاول تطبيقه على المقام، بل علينا استشكافه من خلال سيرتهم وطُرق تعاملهم مع تلك الحكومات، وقبل أن ننتقل إلى محاولة استكشاف شرعية العمل من خلال سيرتهم علينا العودة أولاً إلى مؤيدات هذا الاتجاه من النصوص الروائية التي وردت عنهم، وهي كثيرة لكنا سنقتصر على ذكر أهمها دون التوقف التفصيلي لتحليلها:
1ـ «فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلَادِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا وَنَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَذَبْتُمُوهَا اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي وَنَكَثَا بَيْعَتِي وَأَلَبَا النَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَلَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا...»([5]).
2ـ « فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَه»([6]).
3ـ « َ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكَعَاب»([7]).
4ـ « أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَإِنْ كَتَمْتُمَا أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي وَلَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي وَإِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَاصِبٍ وَلَا لِعَرَضٍ حَاضِرٍ فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ وَلَعَمْرِي مَا كُنْتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ وَإِنَّ دَفْعَكُمَا هَذَا الْأَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِه»([8]).
5ـ « ما جاء عن السَّيِّدُ عَلِيُّ بْنُ طَاوُوسٍ فِي كَشْفِ الْمَحَجَّةِ، نَقْلًا عَنْ كِتَابِ الرَّسَائِلِ لِلْكُلَيْنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع كِتَاباً بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ النَّهْرَوَانِ وَأَمَرَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ وَذَكَرَ الْكِتَابَ وَهُوَ طَوِيلٌ وَفِيهِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فَقَالَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَكَ (وِلَاءُ أُمَّتِي) فَإِنْ وَلَّوْكَ فِي عَافِيَةٍ وَأَجْمَعُوا عَلَيْكَ بِالرِّضَا فَقُمْ بِأَمْرِهِمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَمَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجاً»([9]).
6ـ «...فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ إلي كَعُرْفِ الضَّبُعِ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَشُقَّ عطافى مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى وَفسق آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا، أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أن لا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز»([10]).
7ـ ومن كلام له عليه السلام لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان: «دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً»([11]).
8ـ ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية:
«إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ([12])، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى إتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَلَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ...»([13]).
9ـ َوعنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) عَلَى الْمِنْبَرِ حِينَ اجْتَمَعَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ زَعَمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ لِلْخِلَافَةِ أَهْلاً وَلَمْ أَرَ نَفْسِي لَهَا أَهْلًا وَكَذَبَ مُعَاوِيَةُ أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّ اللَّهِ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ أَنَّ النَّاسَ بَايَعُونِي وَأَطَاعُونِي وَنَصَرُونِي لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَالْأَرْضُ بَرَكَتَهَا وَلِمَا طَمِعْتُمْ فِيهَا يَا مُعَاوِيَةُ، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ أَمْرَهَا رَجُلًا قَطُّ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالاً حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مِلَّةِ عَبَدَةِ الْعِجْلِ وَقَدْ تَرَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ هَارُون...»([14]).
وهناك مجموعة من الشواهد والنصوص المؤيدة لهذا الاتجاه يمكن العودة إليها مفصلاً في كتاب: (ولايت فقيه حكومت صالحان) باللغة الفارسية([15]).
ومن هنا ينبثق هذا التساؤل: في حالة عدم مبايعة الأمة الإمام ليتفعّل بعده الثالث أي القيادة السياسية، فما هو دور الإمام إذن؟ ربما تكون الإجابة على هذا التساؤل فنية أكثر إذا ما طرحناه بالصيغة التالية: هل إنَّ دور الأمة ورضاها هو بمثابة مقدمة الوجوب أم مقدمة الواجب؟ قد يختار البعض ـ خطأً ـ كونها مقدمة وجوب ـ كما يبدو ذلك في كتابات بعض المعاصرين ـ إلا أن الصحيح كما سيأتي لاحقاً أنها مقدمة واجب.
ولتوضيح هذا الخلاف لابد أن نبيّن بأن اختيار كون رضا الأمة مقدمة وجوب يعني عدم وجوب التحرّك لتحصيلها، نظير الاستطاعة بالنسبة للحج، أما إذا اخترنا كونها مقدمة واجب فينبغي على الأمة حينئذ تحصيلها كما هو الحال في الوضوء بالنسبة للصلاة.
عودة إلى أصل التطبيق:
لا شك بأن للزمان والمكان [بالمعنى المصطلح] تأثير في طبيعة الموقف الشرعي إزاء الحكومات والسلطات، ولأجل تحديد هذا الموقف علينا استكشاف شرعيته من سيرة الأئمة عليهم السلام؛ إذ لا يكون الموقف شرعياً ما لم يُستكشف من نصوص الأئمة وأفعالهم وأقاريرهم.
ربما يُغفل البعض أهمية المسألة فيضعها في خانة المسائل الثانوية لأسباب قد لا نعرف بعضها، إلا أن الرؤية التي ننطلق منها تدرج هذه المسألة في دائرة الأبحاث الأساسية التي لا مناص من اكتشاف الموقف منها، فهي ترتبط بالوظيفة الشرعية للمكلف (بالمعنى الأعم) إزاء الحكومات، الأعم من الظالمة والمغتصبة والمحتلة والطاغية.
نظرة سريعة إلى الواقع الشيعي الحالي كفيلة بالكشف عن الاستقطاب الواضح بين أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ إذ اختار البعض منهم اتجاه المقاومة والكفاح المسلح، ومال آخرون إلى السكوت والتقية والانسياق مع الوضع القائم بنحو من الأنحاء. ولا نريد أن نشكك في مناهج كل اتجاه وفي جدارة طرحه، بل لكل واحد منها منهج وتبرير شرعي يؤول إليه، لكن الكلام كل الكلام في التنظير العلمي الذي أوصل لهذه النتيجة أو تلك.
ولأجل تحديد هذا (الموقف) وإيجاد (التنظير) السليم له علينا استكشاف شرعيته من سيرة الأئمة عليهم السلام؛ إذ لا يكون الموقف شرعياً ما لم يُستكشف من نصوصهم وأفعالهم وأقاريرهم. لكن المشكلة التي تواجهنا ـ ونحن نريد استكشاف طبيعة هذا الموقف ـ هي تنوّع الموقف الإمامي إن صح هذا التعبير، ومن هنا يحق للباحث أن يتساءل عن أي المواقف يختار ليكون سمةً لمواقف الأمم تجاه حكامها، فهل هو الموقف العلوي الذي مارس دور المعارضة الإيجابية في أيام الخلافة الراشدة، أم هو الموقف الحسني الذي أضطر للصلح والمهادنة، أم هو الموقف الحسيني الذي ثأّر مع قلة الناصر والمعين، أم هو موقف الصادقين الذي انشغل أصحابه بالبحث والدرس والتعليم؟
يتحتم علينا ـ ونحن نبتغي شرعنة المواقف ـ الانطلاق في تحديدها ـ أي المواقف ـ من خلال رؤية مدللة، وهنا لابد لنا من الكشف عنها وعن معالمها البارزة كي لا نجانب الصواب في تحديد الموقف المناسب:
إنَّ الرؤية التي ننطلق منها لاستشكاف الموقف الشرعي تجاه الحكومات منوطة بتحديد ظروف المشرع، وحيث أن للمشرع مواقف متعددة في هذا المجال توجب بذل عناية كبيرة لتأطيرها، وجهد أكبر لتمييزها بعضها عن بعض؛ لكي لا نقع في إشكالية تناقض المواقف المعصومة.
ولإيضاح طريقة استكشاف هذه الرؤية ينبغي تقديم مقدمات:
1ـ تنطلق رؤيتنا من بديهية إنَّ للإسلام حكم وموقف في كل وقائع الحياة، فلابد أن يكون له موقف إزاء هذه المسألة، فالشريعة التي أخذت على عاتقها إيضاح الصغائر من المستحبات، لا يمكن تعقّل إهمالها لهذه المسألة الهامة؟! خصوصاً مع أتساع رقعة أتباع هذا المذهب في جميع أصقاع المعمورة. ويبقى الكلام في كيفية استكشاف الموقف السليم لها([16]).
لا يقال: إن مثل هذه الأمور تركت للفكر البشري ليحدد طبيعة التعامل معها، وليس للشارع نصوص واضحة في هذا المجال.
فإنه يقال: بغض النظر عن الأهمية الكبيرة التي يتمتع بها هذا البحث والتي لا يمكن للمشرّع أن يتركها سدى دون تحديد واضح، إلا أن أحكام الشارع لا تنحصر بالنصوص فقط، بل للمواقف العملية مساحة كبيرة في تحديد هذه الأحكام، ومحل كلامنا من هذا القبيل.
2ـ يضطر المشرّع [الرسول الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع)] في بعض الأحيان إلى ممارسة التكليف الشرعي عملياً ولو أدّت هذه الممارسة إلى تضحيات جسيمة حفاظاً على الملاك التشريعي العام من الاندراس والتشوّه والضياع ، ونجد ذلك واضحاً في عديد من القضايا المصيرية التي رأى الأئمة (ع) فيها ضرورة النزول إلى الساحة عملاً ولو كلفتهم هذه القضية الغالي والنفيس. فقد وصلت التضحيات بالأمير علي (ص) ـ مضافاً لتعرّضه الشديد لكثير من المصاعب والغصّات ـ ليقدّم عقليته الزهراء الطاهرة (روحي فداها ) فداءً للرسالة المحمدية الأصيلة، وهكذا توالت التضحيات تلو التضحيات حتى فاجعة كربلاء المقدسة، والتي بذل فيها الإمام الحسين (ع) روحه حينما تفعّلت أمامه ضرورة التضحية بالغالي والنفيس...
ويمكن أن نعزو هذه الممارسة العملية لأمور ثلاثة:
الأمر الأول: لإيضاح أن ما يقولونه عليهم السلام ليس أمراً غير قابل للتطبيق، بل هي أمور قابلة لذلك، وها هو المشرّع أمامكم يطبقها.وهذا يكشف عن الأهمية الخطيرة لنزول المشرّع لممارسة تشريعاته عملياً.
الأمر الثاني: بالممارسة تنكشف حدود النظرية وثغورها، ومن خلالها تتضح أيضاً مدياتها، مثال ذلك: التضحية بالأطفال الرضّع والنساء في واقعة كربلاء؛ حيث لم يتعقّل البعض مرافقتهم له (ع) واستفهموا عن أسبابه، فأجابهم (ع) بأن الموقف يستدعي ذلك.
الأمر الثالث: تتضاعف أهمية الممارسة العملية على البيانات النظرية بأضعاف كثيرة، وهو أمر لحظه المشرّع جداً في أحكامه المهمة، بدا ذلك واضحاً في عديد من مفاصله الأساسية كقضية استشهاد الحسين (ع) والتي أخذت مكاناً لا نظير له في قلوب المسلمين والأحرار في شتى بقاع العالم، رغم وجود بيانات الأئمة الكثيرة في مجال الظلم ومواجهة، إلا إن آية هذه الثورة هو الجانب العملي والتضحوي الكبير والذي لم تحمله غيرها من الثورات. أو موقف الإمام الرضا (ع) الذي قبل فيه دخول ولاية العهد ـ بعض النظر عن تخريجها الفني السليم ـ رغم مرارة قبولها في وقتنا الحاضر على مرجع من مراجع الدين، بأن يكون نائباً أولاً لرئيس الجمهورية الظالم، لكنه (ع) مارسها ليبيّن لنا التكليف الشرعي في مثل هذه الظروف والمعطيات. ويمكن أن يعد هذا الأمر أكثر أهمية من الأمور.
3ـ إنَّ قراءة تفاصيل ظروف الأئمة (ع) ومحاولة استكشافها ليس عملاً استرخائياً يجول فيه الباحث في الكتب التأريخية ليشبع فضوله فقط، بل هو مهمة فقهية عقائدية يسعى الباحث من خلالها الإجابة على تساؤلات الأمة الحاضرة، الأمة التي تبحث عن موقف الإسلام الحنيف تجاه حكوماتها المعاصرة، خصوصاً وإنَّ للإسلام التمامية والشمول لكل وقائع الحياة، بل حتى أرش الخدش.
إنَّ محاكمة مواقف الأئمة (ع) وفقاً لمقاييس علم السياسة المعاصر عملية إجهاض حقيقية لمشروع الرسالة المعصومة؛ إذ إنَّ هذه المحاكمة ستخلص في نهاية المرافعة إلى وضع بعض هذه المواقف في دائرة الأخطاء الإستراتيجية الفادحة، دون وعي مسبّق لاشتراطات المرحلة الخفية التي قدّرها الإمام فحكم بما حكم وقرر ما قرر، هذه الاشتراطات التي غابت على المرافعة أو رأتها وأهملت أهميتها، فجاءت المحاكمة مبتسرة وخالية من الشمولية.
لقد افترض بحثنا مفهوم العصمة كأصل موضوعي ثابت ومدلل، ومن هنا فلا يجوز محاكمة هذه التصرفات والمواقف وتخطئتها في نهاية المطاف، بل ما يعنينا هنا هو اكتشاف ظروفها وتأطيرها، وبالتالي معرفة الحكم المناسب لظروفها، فما هي الظروف التي جعلت الإمام علي (ع) ليمارس ما مارسه من دور في أيام الأول والثاني والثالث، وما هي الظروف التي حدت بأبنه الحسن (ع) إلى أن يهادن ويصالح، وما هي الظروف التي لم تترك للحسين (ع) مجالاً إلا التضحية والاستشهاد، وما هي الظروف التي جعلت أبنه السجاد (ع) يمارس الدعاء والاتقاء، وما هي الظروف التي جعلت الصادقين (ع) يخصصان كل أوقاتهما للتدريس وتربية الطلاب، وما هي الظروف التي سمحت للإمام الرضا (ع) أن يقبل ولاية العهد في ظل الحكومة الجائرة؟
علينا أن نكرر ما أسلفنا الحديث عنه سابقاً من أن قراءة هذه الظروف الموضوعية ليست أمراً ترفياً يجيب على هوس البحث العلمي الصرف، بل هي لتحديد سلامة الموقف الشرعي، هذا الموقف الذي يتخذ من تحركاتهم (ع) مرتكزاً صالحاً ومسوّغاً شرعياً لكل ما يريد أن ينجزه ويتحرك نحوه.
ونكرر هنا أيضاً ونؤكد على أن الدور المرجعي لعلماء الدين في زمن الغيبة ينبغي أن لا يُختزل في كتابة الرسائل العملية فقط، بل هو ريادة وقيادة وامتداد للإمامة في قيادة الأمة وتوجهاتها، وعليها تحديد موقف الأمة إزاء حكامها([17]).
ينبغي علينا ـ ونحن نعيش زمن الغيبة ـ أن نحدد ضوابط لتحركاتنا، وبذلك نبتعد عن فوضوية المواقف غير المبررة، فكما بين أهل البيت (ع) من خلال رواياتهم الأصول العملية كالبراءة والاشتغال، مارس علماء الأصول دور اكتشاف شرائط جريانها، فمتى تجري هذه الأصول ومتى لا تجري، ومتى تجري البراءة ومتى يجري الاشتغال، من هنا حقق الأصوليون هذه الشرائط فأكدوا على أن الشك إذا كان في أصل التكليف فتجري البراءة، أما إذا كان في المكلف به فهو مجرى للاشتغال.
ومن هنا علينا عقد بحث في هذه المسألة ليكون الإفتاء فيها على أساس تحديد ظروف هذه المواقف، وعلى الفقيه أن يمارس مهمتين:
المهمة الأولى: تحديد ظروف الموقف المعصوم
على الفقيه أن يمارس عملية استقصاء ومتابعة لجميع الظروف المحيطة بذلك الموقف الذي صدر من الإمام (ع)، وهي قاعدة عامة في مذهبنا الاستنباطي عند إرادة استكشاف موقف شرعي، أعم من أن يكون ذلك المستَكشَف (بالفتح) نصاً أو موقفاً عملياً، من هنا فلا نعدّ الفقيه فقيهاً حتى يكون عالماً بظروف صدور الحكم (الأعم من يكون مبرزاً بنص أو بموقف عملي).
المهمة الثانية: تحديد ظروف تطبيق الموقف
وعندما يريد الفقيه تطبيق هذا الموقف المستَنبط (بالفتح) على مورد ما، عليه أن يكون عارفاً بجميع ظروف المورد، وأن ينقح إمكانية جريان ذلك بشكل دقيق، وهو أمر لن يكون دون معرفته بجميع الظروف الزمانية والمكانية المحيطة به، الأعم من أن تكون اجتماعية أو سياسية أو ثقافية...الخ. وهذا على غرار شرائط جريان الأصول المبحوث عنها في علم أصول الفقه.ومن هنا نقول: لا نعد الفقيه فقيهاً حتى يكون عارفاً بزمانه.
على الفقيه في هذه المرحلة أن يحدد طبيعة الموقف المراد تطبيقه في المقام، وهو أمر عائد لمعرفته بطبيعة الظروف التي يتعايش فيها المورد، فهل هي ظروف تصلح لتطبيق الموقف العلوي فيها، أم الموقف الحسني أو الحسيني أو غيرهما من المواقف المعصومة الأخرى([18]).
هذه هي الرؤية التي نعتقد ضرورة توفّرها في مفهوم المرجعية المعنية بقيادة الأمة. اللهم إلا أن يقال بأن أفق المرجعية التي نراها لا يتعدى مسائل الطهارة والنجاسة...وما غايرها من أمور أخرى فلا علاقة له بها، أما من لا يلتزم بهذا الرؤية ويريد أن يدخل ليسجل رأياً في بعض الأمور (اجتماعية، سياسية، عامة) دون معرفته بظروف زمانه وملابساتها فهذا ما لا نرى له وجهاً معرفياً معقولاً.
إنَّ المرجعية ـ وفقاً لما نراه من إطار ـ لا ينبغي اختزالها في كتابة رسائل عملية وأخذ الحقوق المالية وتوزيعها، بل إنَّ دورها الأكبر قيادة الإمة وإدارة المجتمع ونيابة الإمام المعصوم (ع) في زمن الغيبة، ولا شك إن مثل هذا الدور تعاظمت خطورته وازدادت أهميته على نفس زمن الحضور؛ وذلك لتزايد التعقيدات وصعوبة إيجاد الحلول لها مع تقدّم الزمن وتطوّر الأمم.
ومن هذا المنطلق فحيث أننا لا نعلم كم هي الفترة التي يستمر فيها غياب الإمام (ع) لابد (للمرجعية) أن تصرف العناية إلى إدارة أبناء هذا المذهب بأفضل وجه يمكن، إدارتها في كل شؤون الحياة، ومتابعة أحوالهم ومشاكلهم، وهذه هي المهمة الأساسية الملقاة على عاتق المرجعية كما نفهمها ونراها ونؤسس لها.
لا يقال: بأن الأئمة (ع) تركوا الأمر إلينا، ولم تبيّن لا نصوصهم ولا مواقفهم مثل هذا التأسيس، وعلى البشرية بنموها وتطورها أن تجيد العمل على كل المستويات.
فأنه يقال: إنَّ عدم اهتمام الشريعة المزعوم يتنافى مع أبده بدهياتها؛ إذ تحملت الشريعة الغراء بيان أدق التفاصيل الاستحبابية الجزئية، فكيف جاز أن نتفرض إغفالها لمثل هذا الأمر الخطير؟!
وسيأتي مزيد عناية وتفصيل أكثر لهذا التطبيق الهامّ.
[/URL]([1]) ولعل جملة من مواقف مراجع الطائفة في عصر الغيبة تنسجم مع هذا الاتجاه مبررين عدم قياهم وسعيهم بسيرة الأئمة عليهم السلام.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref1)([2]) قد يقال: إن هذه الآيات مرتبطة بالنبي (ص) والأئمة (ع)؟
أقول: نعم ستأتي الإشارة إلى هذا البحث لاحقاً وأن الفقهاء في عصر الغيبة استثنوا من هذه الأدوار أم لا، وجد اتجاهان بين من حصر دورهم في ذلك، وبين من وسّع ذلك.
([3]) الكافي، مصدر سابق: ج1، ص200.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref3)([4]) من المقدمة التي كتبها الأستاذ الشهيد لكتاب تاريخ الإمامية للدكتور عبد الله فياض، بتصرف.
([5]) نهج البلاغة، مصدر سابق: 157.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref5)([6]) المصدر السابق: ص203ـ204.
([7]) ص268.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref7)([8]) ص384.
([9]) مستدرك الوسائل، مصدر سابق: ج11، ص78.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref9)([10]) نهج البلاغة، مصدر سابق: ص16
([11]) المصدر السابق: ص101.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref11)([12]) لقد جاء التشكيك العلوي في وقوع هذه الصغرى؛ حيث أن العديد من المهاجرين والأنصار لم يبايعوا، وقد أوضح ذلك في ما نُسب إليه من أبيات:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمشيرون غيَّبُ
وَإِنْ كُنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيْمَهُم فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ.
نهج البلاغة: ص441.
([13]) المصدر نفسه: ص312ـ313.
(http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref13)([14]) الاحتجاج، الطبرسي، مصدر سابق: ج2، ص288ـ289.
([15]) الكتاب أعلاه هو للشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي (2006م) وهو صاحب الكتاب المثير للجدل الذي حمل عنوان: الحسين الخالد (شهيد جاويد)، وقد أحدث هذا الأخير ـ في وقت صدوره ـ صخب وجدال كبير في الوسط العلمي الشيعي، أدّى إلى تدخل بعض كبار المراجع آنذاك ضده، أمثال السيد شهاب الدين المرعشي والسيد محمد رضا الكلبايكاني و...وقد كتب في الردّ عليه مصنفات وتعلقيات عديدة نظير ما حرره الشيخ مرتضى مطهري والدكتور علي شريعتي والشيخ لطف الله الصافي والشيخ رضا الأستادي و...وللرجوع إلى تفاصيل أكثر حول هذه المواقف لاحظ: مقال للسيد حسن إسلامي تحت عنوان: العزاء سنة دينية أم فعل اجتماعي؟ نُشرت ترجمته في مجلة نصوص معاصرة: العدد 8.
[URL="http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref16"] (http://www.alhaydari.com/s/___i316/editor/fckeditor.html?InstanceName=ntxt&Toolbar=Default#_ednref15)([16]) التدليل على شمولية الشريعة لكل وقائع الحياة خارج عن محل بحثنا. ([17]) فهل إن الموقف الشرعي هو ما وقفه العلامة المجلسي مع الصفويين مثلاً، أم هو موقف سيدنا الشهيد الصدر إزاء النظام البعثي البائد، بل في داخل نفس الحوزة النجفيّة كانت الاتجاهات بين مؤيد لهذا الموقف وبين رافض. نشير إلى هذا دون محاولة التشكيك ـ والعياذ بالله ـ بمواقفهم، بل إنَّ لكل مرجع طريقته ومنهجه في فهم التكليف. ([18]) ربما يكون المثال الأوضح لفاعلية هذه الحاجة هو الالتباس الحاصل في الوضع الحالي القائم في العراق، فالاحتلال جاثم على صدر العراق وأبناءه من غير معرفة بزمن خروجه ومدى بقاءه، خصوصاً إذا تمت هذه الاتفاقية الأمنية المشؤومة ببنودها الخطيرة التي لم يُكشف عنها ـ نظير إعطائها للمحتل إمكانية اعتقال أي شخص حتى لو كان شخص رئيس الجمهورية، وعدم إمكانية إقالة الوزراء الأمنيين إلا بموافقتهم ـ وهنا يأتي هذا التساؤل: ما هو الموقف الشرعي في إطار هذه الظروف، هل هو المواجهة والكفاح المسلّح، أو هو المهادنة والتعايش السلمي بنحو من الأنحاء؟ لا شك بأن تعيين مثل هذه المواقف هو شأن المرجعية بعد تحققها من شرائط الوضع الداخلي والإقليمي والدولي.