المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [۞] الحزنُ وأميرتهُ أسْمَهانْ[۞] in parts


mueller
11-17-2008, 02:29 PM
قصةُ أميرةِ الجبلْ

-----------------

http://iraq.iraq.ir/vb/picture.php?albumid=119&pictureid=1004

-----------------

أسمهانْ

في حلقاتْ

نُشرتْ في صحيفةٍ إلكترونيةْ خلال شهرِ رمضانْ .. ولكل المهتمين بلغز أسمهان ننقلها لكم تباعاً

mueller
11-17-2008, 02:33 PM
الحلقة الأولى
الجزء الاول

آل الأطرش وزعامة الدروز


سليلة الدروز

تنتمي آمال فهد الأطرش إلى أحد أعرق الأسر السورية، آل الأطرش، وهي إحدى الأسر التي أدت دورا كبيرا في الحياة السياسية في سورية، أشهرهم قائد الثورة السورية الكبرى الأمير سلطان باشا الأطرش، أحد أهم قادة الدروز، أو كما يطلق عليهم «الموحدون» وهو اللقب الأحب والأقرب إليهم، فعلى الرغم من أن الدروز خرجوا من قلب الدوحة الإسلامية العربية، إلا أن بعضهم راح يفسر بعض آيات القرآن الكريم تفسيرا باطنيا مثل غيرهم من بعض الفرق الإسلامية العربية التي شكلت تياراً رافضاً أرستقراطية خلفاء بني أمية وبني العباس، وابتعادهما عن روح البعثة المحمدية وفلسفتها التي مثلها نهج الصحابي أبي ذر الغفاري.

تبلور مذهب الدروز أو الموحدون في عهد الخلافة الفاطمية، وتحديدا في ظل الخليفة الحاكم بأمر الله، من خلال أحد دعاة هذا المذهب، وهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الدرزي أو كما لقب باسم «تشتكين الدرزي»، والتصقت كلمة الدروز بأتباعه من دون رغبتهم، فقد ورثوها عنه على رغم كرههم الشديد له، بسبب خروجه عن تعاليم مذهب الموحدين، لادعائه بأن الإله تجسد في شخص الحاكم بأمر الله، فقُتل على يد أتباعه وتبرأوا منه ومن معتقداته، لكنهم لم يتخلصوا من لقب «الدروز» الذي علق بهم وباتوا يُعرفون به، وغلب ذلك على كنيتهم الحقيقية وهي «الموحدون».

زعامة آل الأطرش

ما بين 1853ـ1857 آلت زعامة العرب الدروز في جبل حوران الى آل الأطرش، بعد سقوط آل حمدان بسبب سوء معاملتهم للفلاحين، وإن كان الوضع لم يتغير كثيراً بعد زعامة آل الأطرش، بل ازداد وضع الفلاحين سوءاً بعد وصول عدد كبير من المهاجرين العرب الدروز إلى الجبل خلال تلك الفترة، أكثر من ستمائة أسرة درزية من شمال سورية، اذ بلغ عدد سكان جبل العرب وقت الانتفاضة نحو ثلاثين ألف نسمة، منهم 5000 من المسيحيين وأنصاف البدو، وقد عرف أهل الجبل أعرافاً عربية قديمة إلى جانب أعراف أصيلة فيهم، كأن يرفضون أن تدفع دية القتيل من الأرض أو المسكن ولا يقرون بتعدد الزوجات، ويرفضون دفع الضرائب إذا كانت جائرة، ويقرون بأن العدل يقتضي توزيع الأرض بالمساواة، كذلك كان الفلاحون والعامة ينافسون مشايخهم (والمقصود بالمشايخ كبار السن وليس رجال الدين) في الضيافة والبسالة والمعارك، وليس في الامتيازات المادية لهم، بل على العكس فكان جلهم من أهل الزهد وفقراء الحال.

بسبب سوء المعاملة وفرض الضرائب الجائرة في الجبل، أخذ الفلاحون في تنظيم أنفسهم وتحركاتهم، اذ كانت تصرفاتهم العفوية تمهد إلى ذلك بشكل أو بآخر، فامتنع قسم كبير منهم عن دفع الضرائب تعبيرا عن عدم اعترافهم بسلطة المشايخ المستبدين، وبدأت التصرفات العفوية هذه تأخذ شكلا منظماً عند الفلاحين فتأسس عدد من الجمعيات السرية في قرى الجبل (مثل: نجران، عرمان، لاهثة، متان، لسويداء)، وطرحت برامج ثورية كان الخط العام لها عزل المشايخ وإلغاء امتيازاتهم، وبدأت الجمعيات ترسل وفوداً إلى القرى للاتصال بالفلاحين وإنشاء جمعيات لهم في كل قرية، وكان العمل يتم بشكل سريع بتجاوب من الفلاحين، إلى أن حققوا تغطية شبه كاملة لقرى الجبل وصار الرفض الفلاحي يتم من خلال تنظيم الفلاحين في تلك الجمعيات السرية، لذا أخذ رفضهم يأخذ طابعاً ثورياً أكثر منه إصلاحيا، فصار الفلاحون يناقشون وجودهم ككل ويخططون لعمل شامل على امتداد الجبل وليس على مستوى القرية التي يوجدون فيها ويجمعون في شعاراتهم بين التغير الاقتصادي وضرب الظلم والاستبداد، وتصاعدت حركة الفلاحين مما شجع فلاحي ملح وعرمان لدعوة فلاحي الجبل لاجتماع عام في مجدل عرمان وسمي منذ ذلك «اجتماع مجدل الشور» أي «الشورى وأخذ الرأي». وفد إلى الاجتماع حوالي مائة ممثل عن الجمعيات السرية للفلاحين من عموم الجبل، وقد انبثق من المجتمعين «وثيقة» استعرضوا فيها وضع الجبل وأسباب الاجتماع والإجراءات الكفيلة بتغيير الوضع.

من هنا، بدأ الصدام بين الفلاحين والمشايخ عقب الاجتماع مباشرة يأخذ شكلاً حاداً أو قوياً، فجرى اصطدام بين الفلاحين والمشايخ في قرى ملح، وعرمان، ولاهثة، وغيرها ذهب فيها عدد من الفتيان، وتوتر الموقف في السويداء وبلغ أشده في ترحيل الشيخ إبراهيم الأطرش لعدد من الفلاحين، فدارت المعركة الحاسمة بين المشايخ وعامة الفلاحين في صيف عام 1888م، وانتهت بانتصار العامة بعد عراك ضار خسر فيه الطرفان 42 قتيلاً من الجهتين، وكانت النتيجة إجلاء آل الأطرش من الجبل ولجوء قسم منهم إلى قلعة المزرعة العثمانية، والقسم الآخر إلى دمشق مع إبراهيم الأطرش، في حين لجأ شبلا الأطرش إلى خبب في سهل حوران، وعقب المعركة طبق العامة والفلاحون مقررات اجتماع مجدل الشور بأكملها وشُكلت لجان من الفلاحين مهمتها حسم الخلافات بين الأهالي حول توزيع الأراضي وتدبير بقية شؤونهم، وتصدت قوات الفلاحين لمناوشات جيرانهم من البدو وسهل حوران والتي حرضها العثمانيون، وفرضوا على القرى التي تحرشت بهم جزية مالية.

mueller
11-17-2008, 02:34 PM
الجزء الثاني
سيطرة الأتراك

فقد العثمانيون صوابهم بسبب تلك التغيرات الصاعقة في أوضاع الجبل، وارتجفوا من انتقال عدواها إلى المناطق المجاورة ولم يقف إبراهيم الأطرش مكتوف اليدين بل تحرك بواسطة أرستقراطي دمشق، الحاكم التركي آنذاك، وتحرك مشايخ حوران يستنجدون بالعثمانيين ليستنفروا جيوشه الموجودة على امتداد السهل السوري، فاحتشدت الجيوش العثمانية الغازية في ريمة حازم وفي ولغا مع إبراهيم الأطرش بقيادة القائد التركي أحمد قرة ببور باشا فيما حصن الثوار مواقعهم في السويداء وعتيل، وكلف القائد التركي أحد ضباطه ممدوح باشا قائد حامية المزرعة بإجراء التفاوض مع قادة الثورة على أن يقبل الفلاحون بدخول القادة العثمانيين مع المشايخ إلى الجبل، في مقابل أن تلتزم القوة العسكرية العثمانية بتنفيذ القرارات التي يُتفق عليها بين المشايخ والممثلين عن الثوار،
فرفض الثوار الموافقة على اقتراح ممدوح باشا خوفا من أن ينكل بهم العثمانيون بعد دخولهم إلى السويداء.

بعدها شن العثمانيون هجومهم على الفلاحين في خريف عام 1889م، قاوم الفلاحون الثوار بكل ما لديهم من قوة وبشكل مميت في حرب كانت نسبة المقاتلين فيها 20 من العثمانيين مقابل واحد من الفلاحين، مع تجهيز الجنود العثمانيين بالأسلحة المتقدمة، في حين كان الفلاحون موزعين بين حملة البنادق القديمة والسلاح الأبيض.

دخل الغزاة العثمانيون وبرفقتهم المشايخ إلى السويداء في مجزرة الدم تلك، وجرت اعتقالات واسعة في صفوف الثوار وقادتهم. نالوا أشد صنوف العذاب في اعتقالهم في القلاع العثمانية، وطلب العثمانيون من المشايخ إرشادهم الى بيوت الثوار كي يحرقوها ويقتلوا أهلها فما كان من قسم منهم إلا أن وضع الشارات على البيوت كلها بما فيها بيوت المشايخ وذلك لإيقاف السيل الحاقد الأعمى. أدركوا انه لم يعد ممكناً إغراق قرى الجبل بمزيد من الدماء على مذبح استبدادهم، وشعر قسم منهم بالذنب فعلا وبأنهم بجريرة أطماعهم تحالفوا مع العثمانيين على إخوانهم وأبناء عشيرتهم وفطنوا أنهم أساءوا لمعتقدهم الديني الذي يأمرهم بحفظ الإخوان ومساواتهم بأنفسهم واقتسام مصادر العيش قسمة عادلة.

بعد اليقظة الضميرية، أصبح سلاح عقيدة الموحدين الدينية يعمل لصالح الفلاحين أصحاب القضية العادلة والمطلب الحق، ويولد لدى المشايخ استعداداً نفسياً للمصالحة والتسليم بحقوق الفلاحين، فتداعى الأهالي من أنحاء الجبل في مطلع عام 1890م إلى الاجتماع (اجتماع السويداء الكبير) الذي ما كانت نتائجه تكون لصالح الفلاحين لولا وحدتهم واستمرارهم أوفياء لمطالبهم ومخلصين لقضيتهم وبذل كل ما يستطيعون لإنجاح مسعاهم العظيم الذي تعهدوه ببذل الدم والروح فداءً له. حرص الشعب، الذي تكاتف وحارب أيام الانتفاضة، على ألا يستغل بعد اليوم من أية جهة كانت، لذا وعقب الإتفاق مباشرة طرح الفلاحون شعار «الأتراك يدوسون الجميع» ليقاومهم الجبل بأكمله، فلم يمض عام على تعيين إبراهيم الأطرش من الأتراك قائم مقام الجبل ومنحه لقب باشا من السلطان عبد الحميد، حتى كان الأمير شبلي الأطرش شيخ بلدة عرى والشاعر الشعبي المبدع المشهور انتقل إلى صفوف الشعب في مقاومة العدو المشترك «العثمانيين»، فحسّن علاقته مع الجيران في سهل حوران وباشر بمعارك عدة على السلطة العثمانية تمكن على إثرها العثمانيون من اعتقال شبلي الأطرش في سنة 1892م، وقام الفلاحون بتخليصه من المعتقل عقب محاصرتهم لقلعة المزرعة ثلاثة أيام.

عام 1894 قامت السلطة العثمانية عقب معارك كبيرة في قرى قراصة، وبحران والسجن وأم العلق بنفي مائتين من قادة الشعب إلى جزيرة رودس وكريت والى تونس والأناضول، فجرت سلسلة من المعارك بين 1894 – 1899 أرغم على أثرها الغزاة الأتراك على الرضوخ لمطالب الشعب بعد أن وصلت خسائرهم في 1899 إلى عدد كبير من جنودهم وضباطهم، فأعادوا المنفيين إلى الجبل لتهدئة الأوضاع، ورفعوا الضريبة والتجنيد الإجباري عنهم واعترفوا بالأعراف المتبعة في الجبل في مطلع القرن العشرين، ليكلل نضال الفلاحين بدءا من 1880 بشرخ الوجود العثماني الفعلي العسكري والضرائبي في جبل الدروز «جبل العرب»، وتبلور ذلك كحقيقة وأمر واقع سنة 1900، فيما بدأ سلطان باشا الأطرش رحلته ضد الإحتلال التركي تحت الإنتداب الفرنسي في الجبل والسويداء.

السماء تحتفل بميلاد فريد

بينما كان سلطان باشا الأطرش مشغولاً بأحوال الفلاحين والأوضاع المضطربة في الجبل، كان فهد الأطرش مشغولا بطريق آخر، فكان أول شاب يتلقى تعليماً جامعياً من جبل الدروز، حيث حصل على شهادة جامعية من جامعة اسطنبول في تركيا، وبقدر حبه للتعليم وللجهاد ضد الغزاة، كان حبه للنساء، وعلى الرغم من إنجابه ثلاثة ذكور من زوجته الأولى، تزوج من الثانية عالية بنت المنذر، والتي تنسب لأحد البيوت العريقة في السويداء، وما إن تزوجها حتى راحت تنافس زوجته الأولى في الإنجاب، وقبل أن ينتقل فهد الأطرش حاكماً على ديمرجي في تركيا، كانت عالية حاملاً في وليدها الرابع.

في ليلة شتوية قارصة البرودة، طرقعت حوافر الجياد على طول الطريق الصاعد إلى قرية القُرية، وصنع صوتها مع قصف الريح لحناً صاخباً، بينما يغطي الجليد كل شبر في جبل الدروز، فيما كان اثنان من الفرسان يتجاذبان أطراف الحديث فوق ظهر جواديهما:

- يا لها من ولود ودود زوجة فهد الأطرش.

- تعني عالية بنت المنذر.

- نعم. إن لها في كل حول بطناً جديدة.

- (ضاحكا) لو فعلت كل درزية مثلما تفعل عالية لاستطعنا أن نجند جيشا نخلع به السلطان عبد الحميد نفسه من الآستانة!

- لم لا تقول إن حقول القمح لن تكفي دروز الجبل فنتضور جوعاً!

صهل الجوادان وكأنما يشاركانهما الضحك.

- يحب فهد الذرية، له من زوجته الأولى ثلاثة، وها هي زوجته الثانية تنافسها، بل وتتفوق عليها وتنجب الرابع.

- إنني أمد بصري إلى الغيب فأتصور فهداً أباً لثلاثين. ولعه بالنساء شديد، فهو صريع العذارى، وشهيد كل هيفاء نجلاء، وله على اجتذابهن مقدرة تفوق حد الوصف. أو تعلم أنه تزوج عالية ذات صدفة؟

- حقا! كيف؟

- بعث به أحد أصدقائه إلى أهلها كي يخطبها له، فلما نظر الى بشرتها وقوامها قال لأبيها: إنما جئت لكم لكي أطلب يد ابنتكم لنفسي.

- خطبها لنفسه؟

- نعم، فهو يؤثرك على نفسه بكل شيء إلا المرأة الجميلة!

تعالت ضحكات الفارسان مجددا، ومضت فترة صمت تأملا فيها ما حولهما من أغصان الأشجار مثقلة بالجليد، فذكرهما الجليد بالوليد فهتف أحدهما: قدم ابن فهد الجديد سعد! قال الرسول الذي أبلغنا نبأه إنه نزل من بطن أمه في كيس شف! يشي الكيس بالسعادة له، سيكون محروساً من العين كما تقول أساطيرنا! بل إن السعادة ستكون لنا أيضا، ألا ترى أن السماء فرشت له الأرض فضة بيضاء احتفالاً بمقدمه، وسنختـزن ذوب الجليد رصيدا للصيف.

اقتربت قرية قبل «القُريا»، وكان على حدودها الملاصقة للطريق شلة من الفرسان ألقت تحية الليل للفرسان القادمين من سائر قرى الجبل لتهنئة فهد، ثم انضمت إلى الركب، واتسعت دوائر الحديث فشغلت كل مجموعة بفرع منه، وقصرت الثرثرة طول الطريق، ولاحت بيوت «القُريا»، فهتف أحد الفرسان: دار فهد مضيئة! النور والنار فيها يشقان ظلمة الليل ... ألا ترون؟

الدار غير بعيدة عن بيت سلطان الأطرش، كم يفرح القائد بكل وليد، إنه سيهدهده في الفراش ثم يقول لأبيه: متى يحمل البندقية؟

سارت الجياد اثنين اثنين في دروب القرية الضيقة، وتوقفت عند دار فهد الأطرش الذي تفوح منه رائحة الشواء وأصوات الغناء.. وقام فهد الأطرش يستقبل ضيوفه.

- ماذا سميت المولود؟

- أسميته فريد... لدي الآن فؤاد وأنور وودادhttp://iraq.iraq.ir/vb/images/smilies/msn/rose.gifhttp://iraq.iraq.ir/vb/images/smilies/msn/rose.gifhttp://iraq.iraq.ir/vb/images/smilies/tongue.gif ، والآن فريد.

- وهل ستستريح بعد العناء!

ضحك فهد ضحكة مجلجلة وداعب شاربه الكثيف وهو يقول: البقية تأتي!

وإلى الحلقة المقبلة

mueller
11-17-2008, 02:35 PM
الحلقة الثانية


الحرب .. الغرق .. يلاحقانها قبل ولادتها

http://iraq.iraq.ir/cpg/albums/userpics/10182/%DD%DD%DD%DD%DD%DD%DD%DD%DD.jpg
لقطة من احتفالات الدروز


..وأتت البقيّة... غيّب الموت أحد أضلع مربع فهد الأطرش، فقد أصابت عين حاسدة الصغير أنور أثناء خروجه من حمام تركي مع خادمته في منطقة ديمرجي في تركيا التي نقل إليها فهد الأطرش ليكون حاكما لها، وهي منطقة، كما يقولون عنها، لا يهدأ فيها الشيطان، لا يمر يوم بغير قتل أو نهب أو عصيان على السلطان، فبحث الأخير عمن يكسر شكيمتها ويروّض رجالها، فأتى بفهد الأطرش من الجبل، وسبقه إلى ديمرجي حيث الدروز في القتال، فأثمرت الخطة ثمارها في أيام.

كان طبيعيًا أن تنتقل مع فهد في ديمرجي زوجته عالية، ابنة «الحسب والنسب»، فائقة الجمال، عذبة الصوت، وكان بصحبتها شقيقها خليل ذو الصوت الرخيم أيضًا، وكان أحدث الأطفال الصغير فريد الذي تعود منذ ولادته ألا ينام قبل أن تغني له أمه بصوتها الجميل العذب، فإذا شغلت عنه فلا بد من أن يغني له شقيقها خليل، وقد صارت للصغير لازمة يعرفون منها أن النوم بدأ يتجمع تحت جفونه، حيث كانوا يرون دموعا تترقرق في مقلتيه.

يبدو أن انتقالهم إلى ديمرجي كان بداية مرحلة الألم والعذاب، وانتهاء مرحلة النعيم و{العزوة»، ففي البداية مات أنور وبكته الأم، وتبعه موت خليل أيضا في ديمرجي، شقيق عالية المقرب منها، بل والمقرب من أطفالها الذين كانوا يحبونه كوالدهم، فقد كان يقضي غالبية وقته بينهم، يلهو ويلعب معهم، يلاطفهم، يغني لهم بصوته الحنون الصافي.

شحنت الآلام والأحزان صوت الأم بالوجيعة والألم.. ولأن الصغير فريد تعوّد سماع الغناء إما من صوت الأم الساحر، أو من صوت الخال الذي رحل، كأن الغناء يمده بسعادة لا يعرف مصدرها، تهدأ نفسه ويعرف النوم طريقا إلى جفونه، فكان طبيعيا أن يأبى ألا ينقطع عنه الغناء، حتى لو سكبت الأم عذاباتها وشجونها الممزوجين بصوتها، في أذن الصغير وهو يترعرع، المهم ألا ينقطع الغناء عن أذنه.

سقوط الإمبراطوريّة

مضت الأحداث متلاحقة، وكعادة عالية - كما وصفها فرسان الدروز - لها في كل حول مولود جديد، وفي ظل انتظار المولود الخامس لفهد الأطرش، كان هناك في الأجواء ضباب كثيف، فقد انتهزت فرنسا الوضع الداخلي في المغرب، وأرسلت حملة بحرية لمساعدة سلطانها، فأثار هذا العمل ألمانيا التي أرسلت إحدى مدمراتها إلى ميناء أغادير المغربي بحجة حماية المصالح والرعايا الألمان؛ فأعلن رئيس الوزراء البريطاني مانش هاوس أن بلاده لن تقف ساكنة إذا فُرضت الحرب على فرنسا، وأدرك الجميع بعد خطاب هاوس أن ألمانيا أمام خيارين إما أن تقاتل أو تتراجع، إلا أن هذه الأزمة انتهت باتفاقية أصبحت بمقتضاها المغرب فرنسية، مع احتفاظ ألمانيا بالحق في التجارة بها، وتعويضها بشريطين كبيرين في الكونغو الفرنسي.

تغيرت السياسة الفرنسية تغيرا جذريا بعد أزمة أغادير، فقد تولت السلطة في باريس حكومة ذات نزعة وطنية متطرفة بزعامة بوانكاريه، حيث تبنت استراتيجية الدفاع الهجومي لمواجهة ألمانيا أو ما يعرف بالحرب الوقائية بدلا من استراتيجية الدفاع فحسب، وأدى ذلك إلى قيام فرنسا بحمل روسيا على التخلص من جميع ارتباطاتها مع ألمانيا، في مقابل حصولها على مساندة فرنسية للادعاءات الروسية في البلقان، وأعلنت فرنسا أنه إذا تدخلت ألمانيا في حرب تنشب في البلقان، فستدخل تلك الحرب إلى جانب روسيا. أما إيطاليا فاستغلت أزمة أغادير لتحقيق أطماعها في شواطئ ليبيا وبحر إيجة، وأعلنت الحرب على الدولة العثمانية، فوقفت ألمانيا إلى جانب الدولة العثمانية، في الوقت الذي أقنعت فيه «أزمة أغادير المغربية» بريطانيا وألمانيا بأن الحرب ستكون السبيل الوحيد لحل أي خلاف بينهما في المستقبل، لذلك تسابقت الدولتان في التسلح البحري، وكان المبدأ الذي تتمسك به بريطانيا لامتلاكها ناصية البحار هو أن تكون قوة الأسطول الإنكليزي مساوية لجموع قوات أقوى دولتين بحريتين في العالم، لذلك قلقت لندن من برنامج التسلح البحري الألماني.

كان الصرب والبلغار يأملون أن تساعدهم روسيا في المستقبل، لذلك تنصلوا من وعودهم للنمسا في عدم القيام بدعاية للجامعة الصربية والدولة السلافية الكبرى في داخل النمسا والمجر، وانتهى الأمر بتكوين العصبة البلقانية التي تضم بلغاريا واليونان والصرب، وحذرت الدول الكبرى تلك العصبة من أي محاولة لتمزيق ممتلكات الدولة العثمانية في البلقان، غير أن الصرب أعلنوا الحرب على العثمانيين في أكتوبر (تشرين الأول) 1912، فاشتعلت الحرب في البلقان، وفي ستة أسابيع انتزعت العصبة البلقانية جميع أراضي العثمانيين في أوروبا ما عدا القسطنطينية.

في ظل اشتعال الحرب، كانت ديمرجي ضاحية فهد الأطرش، على حافة السقوط، لم تصلها ذخيرة ولا رجال، وهنا أحس فهد بخطر داهم لا محال، وفي الوقت نفسه تنبه بخبرته السياسية والعسكرية، أن هناك خطراً آخر يتهدد جبل الدروز، ما دامت الإمبراطورية العثمانية تنكس أعلامها في ميادين القتال كافة، فكان عليه أن يعود إلى وطنه مسرعا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والدفاع عن الجبل في ظل الحرب المشتعلة التي تأتي على الأخضر واليابس، فما كان منه إلا أن حمل أسرته على كاهله... رحل تاركا ديمرجي لإنقاذ أسرته، ومن ناحية أخرى للدفاع عن جبل الدروز!

دموع... وآمال

في 23 نوفمبر (تشرين الأول) 1912، كانت الأسرة استقرت على ظهر سفينة متهالكة، فارين من جذوة الحرب إلى عرض البحر، وبعيدا عن الشاطئ التركي، تلقى السفينة الصغيرة المتهالكة الزوابع والأعاصير، تلاطمها الأمواج، ظن الجميع أنهم هالكون لا محالة، فقد هربوا من نيران الحرب، ليهلكوا في وسط المياه، احتضن الأب صغاره الثلاثة خوفا عليهم من خطر يتربصهم، فما كاد يبعدهم عن هلاك الحرب، حتى أصابهم فزع الموت غرقا، بينما الأم تعاني آلام الوضع، ودموع الخوف والفزع من المصير المجهول.

مع النسمات الأولى لصباح 25 نوفمبر(تشرين الأول)، ومع بشائر تنبئهم بقرب وصول السفينة إلى الشاطئ، كان صوت المولود الجديد يحمل كل بشائر الخير والنجاة، التف حول عالية بعض النساء كن معها على المركب وقمن بعملية الوضع.

- أبشر يا أمير أنها أنثى جميلة، لم نر بمثل جمالها.

- لكنها ضعيفة البنية، ضاحكة، وملامحها لا تكاد تظهر من وجهها الصغير.

- لكن ملامحها تنبئ بأنثى لا مثيل لها... وسترى.

احتضنتها الأم، وفرح بها الأب: لو كانت ذكرا لأطلقت عليه اسم «بحر»، لكنها أنثى!

ثم صمت لحظة وقال: نطلق عليها اسم «بحرية» فهي ولدت في البحر... ولا بد من أن يكون لها نصيب منه!

كانت تلك المرة الأولى التي لا ترضى عالية عن اسم أطلقه فهد على أحد أولاده: لست معترضة على الاسم ولكن أعتقد أن المولودة نفسها والظروف التي ولدت فيها جاءت بالاسم.. فهي الأمل الجديد الذي ولد لنا بعد نجاتنا من ويلات الحرب، والأمل الجميل الذي كُتب لنا بمولدها ونجاتنا من الهلاك في عرض البحر، ويحدثني قلبي أنها ستكون أملا جديدا لنا ولكل أهلها الدروز في الجبل.

يضحك فهد ضحكة عالية: ما هي تلك الآمال كلها؟

نعم هي آمال.. فما أجمل أن يأتي مولودنا بجملة من الآمال في وقت نحن في أشد الحاجة فيه الى أمل واحد.. الحمد لله على «آمال» آمال جديدة في النجاة.. وفي الحياة.

فهد... أول سفير عن الجبل

اهتدت السفينة إلى الشاطئ بعد ضلال طويل، وفي جبل الدروز كان مستقر الأسرة الجديد، حياة جديدة كتبت عليهم، ربما لم تكن مستوى الحياة الأولى نفسه في ديمرجي، هي الحكم والقصور والخدم، ومع ذلك فهي أفضل كثيرا من حياة المحيطين بهم في الجبل.

بمقدم آل فهد الأطرش إلى جبل الدروز، كان الفرنسيون قد حلوا محل الأتراك في الجبل العاصي، غير أن الخلافات بين الفرنسيين والدروز أعلنت ميلادها منذ اليوم الأول لقدوم ذوي القبعات العالية المتغطرسين، والدرزي لا يقبل الغطرسة من أحد، فالرأي عنده هو ما يراه هو... فكيف يحنون الرؤوس ويستسلمون لهؤلاء المتغطرسين؟ فهذا لم ولن يحدث، وهو ما أشعل الخلافات بينهم منذ اليوم الأول.

mueller
11-17-2008, 02:35 PM
استفحلت المشاكل وتعقدت، ما استدعى البحث عمن يكون وسيطاً بين أهله الدروز وبينهم، وكان فهد الأطرش هو ذلك الرجل الذي وقع عليه الاختيار من أهله ليلعب دور الوسيط، لم يكن الاختيار عشوائيًا، فهناك عدد من الأسباب أهلته لتلك المهمة، أهمها أنه يجيد الفرنسية إجادة تامة، فضلا عن أن له سابق خبرة وتمرس بالسياسة والسيادة والحكم. اختاره الدروز ليكون مندوبا عنهم لدى الفرنسيين، وبالتالي كان عليه أن يترك الجبل ويقيم في بيروت، حيث يقيم الحاكم الفرنسي لأرض الشام كلها، فيحل هناك المشاكل ويسوي الخلافات، وفي قصر آل شوشاني في بيروت انتقلت أسرة فهد الأطرش، وأقامت فيه، الأمر الذي بشر بعودة أيام العز والعزة والحكم من جديد لآل فهد، فغرقت عالية في عز جديرة به ولائق بها وبأطفالها، وتولت الخادمات تربية الأطفال في قصر أشبه بقصور الحكام والملوك ، بينما ظلت علياء تنعم بتدليل زوجها حتى أنها كانت أول امرأة تقود سيارة فى بيروت.

عودة الأحزان

عادت الأحزان تطل برأسها من جديد على أسرة فهد الأطرش، وداد الجميلة اختفت من البيت فجأة، حملها تابوت إلى القبر، ماتت وتركت جرحا كبيرا في الصغير فريد، فلم يكن وقت موت أنور يدرك معنى الغياب، لكن بموت وداد أدركه، لأنه أحبها وتعلق بها، كان كل من في القصر يأوون إلى فراشهم إذا ما ابتلع الأفق قرص الشمس، إلا الصغير فريد الذي لا ينام قبل أن تستقبل أذنه شحنة من غناء أمه بصوتها الحزين، وينام بعد جهد وغناء طويل، وتبدأ مع الصباح مشكلة جديدة بتجديد الأحزان، فما ان يستيقظ فريد من نومه حتى يبدأ بالبكاء، تحاول عالية أن تهدئ من روعه.

- ماذا بك يا فريد... لماذا تبكي؟

- لقد قلت لي أن وداد ستعود غدا، لكنها لم تعد. أين وداد؟

- ألا تعجبك شقيقتك آمال، ألا ترى كيف هي جميلة ووديعة

نعم، لكني أحب وداد أيضا. أين هي؟

- ستأتي... ستأتي يا صغيري... كف الآن عن البكاء كي لا تبكي آمال.

بدأت الأحزان الصغيرة تتدفق إلى قاع الصغير قطرة بعد قطرة، وإن كانت آمال بدأت تعوض بعض ما فقده فريد بفقد وداد، فلم يكن للعز الذي رأته أسرة فهد الأطرش في الجبل، ولا للنعيم الذي رتعت فيه الأسرة في بيروت خلود في حياة القافلة التي تحمل اسم فهد الأطرش! ولا كان فريد يدرك أنها فرصة لكي يعب من السعادة للأيام القاحلة المقبلة، خصوصاً بعد أن اضطر والده فهد الأطرش إلى تركهم مرة أخرى، والذهاب إلى الجبل، فقد اشتعلت الأمور هناك وأصبحت بوادر الثورة وشيكة!

غرق فريد

كان الصغير فريد ينصرف من القصر ليلعب مع الصبية الفقراء، وفي يوم أغراه أحدهم بأن يذهب معه إلى شاطئ بيروت عند «الروشة» لكي يتمتع معه ويعاونه في صيد السمك، ولم يكن فريد وقتها قد تجاوز السادسة من عمره، ولم يتردد الصغير في تلبية دعوة الصبي، فغافل خادمته المكلفة بحراسته، وهرع معه إلى الشاطئ. أمضى سحابة النهار مستمتعا بصيد السمك واللهو على الشاطئ، وتحمس وأوغل في الماء فجاءت موجة عالية واختطفته، ارتاع صديقه الذي كان في مثل عمره أو يكبره قليلا، ولم يجد وسيلة لإنقاذه سوى الصراخ فتجمع بعض المارة، وقفز أحدهم في الماء وخرج بفريد وهو يصارع الموت، وأفرغ ما في جوفه من ماء مالح، وسأل صديقه:

ابن من يكون هذا الصبي؟

إنه ابن أسرة فهد الأطرش.

حمله الرجل إلى القصر وهو في عجب من أمر ابن الأكابر الذي جاء ليساعد مرتزقا في الصيد!

عاتبت الأم فريد: كيف تفعل ذلك.. كان يمكن أن يأخذك البحر؟

صديقي جائع.. ألا أعاونه في تحصيل قوته؟

عرفت الأم لماذا كان فريد يأخذ الفاكهة ويقول إنه سيأكلها في الحديقة، ولماذا كان يغافلهم إلى المطبخ ثم يخرج منه بلفافة فتتغاضى عنه حاسبة أنه يفعل خيرا، وفعلا خيرا كان يفعل: لكن هل يفعل الخير إلى حد أن يوشك على حد الموت؟ ترى هل يجد هو بعد ذلك من يحمل له لفافة طعام شهي من قصر غني؟ هل سيصادف من يبذل له حياته مثلما كان يبذل لصديقه الفقير؟ لا تعرف الأم لماذا سألت نفسها تلك الأسئلة، لكنها وجدتها تقفز إلى ذهنها وهي تتأمل الصغير صامتة، غير أنها لم تجد جوابا غير صور من الماضي تتابعت عبر مخيلتها وتسلمها للضنى الشديد والحزن الكثيف، بخاصة مع صعود فهد إلى جبل الدروز، للدفاع عنه في ظل اشتعال الثورة ضد الفرنسيين.

طريق الآلام

استطاعت عالية أن تهرب من بيروت سرًا إلى دمشق، خوفًا من فتك الفرنسيين بها وبأطفالها انتقامًا من زوجها فهد الأطرش، باعتباره أحد رموز الثورة، وهناك في دمشق علم سليم الأطرش حاكم جبل الدروز آنذاك، وابن عم فهد الأطرش، بوجودها، فأرسل إليها لتحضر إلى قصره بدمشق وبصحبتها الأولاد.

- ماذا تريد يا سليم؟

- تعلمين أن فهد الأطرش ابن عمي، لقد انضم إلى صفوف الثوار في الجبل.

ماذا في هذا، أعرف ذلك منذ أن تركنا، وأعرف أن الجبل تحول الآن إلى ميدان قتال تفرشه الدماء، ولو كان ابن عمك يرعى أسرته لما تركنا للوحدة والقلق. فررت من بيروت فرارا حين علمت أن الفرنسيين يتربصون بأسرة فهد ليعتقلوها، يمكنني أن أتحمل أي شيء كان ولكن ما ذنب هؤلاء الصغار؟

- مهلا يا زوجة ابن العم، لقد أرسل فهد يطلبك مع الأولاد لتذهبوا إلى الجبل وستكونون في الحمى.. كل الحمى، وستقيمون في قلب كل درزي هناك.

- ماذا يفعل الصغار إذا أصابت رصاصات الفرنسيين قلوب الدروز جميعا، من سيحميهم من رصاصات الفرنسيين؟

كظم سليم الأطرش غيظه وقال بلهجة حاسمة: مطلوب مني أن آخذ أولاد ابن عمي إليه، أما أنت فافعلي ما تشائين بعد ذلك.

قالت بلهجة أشد حسمًا: الله لا يريك ذرية أبدا... تريد أن تفرق بيني وبين أولادي.. أين الرحمة؟

أصابت الرمية سليم الأطرش في مقتل، فقد كان يشتهي الذرية، ومنتهى أمله أن يرى بعينيه ولدا له، وها هي عالية تطلق دعاء أم مظلومة، وحتما فتحت السماء أبوابها لدعائها.. وظل سليم الأطرش بلا حراك لدقائق، وما إن تحرك من مكانه حتى هبت إلى أولادها تحميهم منه، وحلقت ابتسامة باهتة على شفتيه ومضى إلى حجرة جانبية، وخرج منها بعد قليل وفي يده كيس من النقود، ألقى به إلى عالية وهو يقول: حد الله بيني وبينك، لن أفرق بينك وبين أولادك، خذي النقود واذهبي، تستطيعين حماية أولادك كيفما شئت، وأين شئت.

خرجت عالية وهي لا تكاد تصدق أنها أنقذت فلذات كبدها من موت محقق في الجبل، أو أي محاولة انتقامية قد يضمرها لها حاقد من آل الأطرش. انتهت الأزمة، لكن الأمر ينذر بمجموعة من الأزمات قد تأتي متلاحقة، ففهد مشغول بالسياسة والدفاع عن الجبل، كان عليها أن تفكر في المرحلة المقبلة، بعد أن أصبح الخطر خطرين، خطر الفرنسيين وخطر آل الأطرش، وفي الوقت نفسه لم تشأ أن تظل في دمشق، فقد يحاول سليم الاطرش مرة ثانية أن يفرق بينها وبين أولادها، فلم يكن أمامها إلا العودة مرة أخرى إلى بيروت حيث يمكنها أن تختفي بعيدًا عن أعينهم.

http://iraq.iraq.ir/cpg/albums/userpics/10182/%DE%DE%DE%DE%DE%DE%DE%DE.jpg
القاهرة في العشرينيات
وإلى الحلقة المقبلة

mueller
11-17-2008, 02:36 PM
الحلقة الثالثة
مصر الملجأ الأخير



حين عادت عالية المنذر إلى بيروت لم تكن تنام الليل، تسهر معظمه، تحرس بعينيها فراخها الصغار، وكان قلقها يزداد مع كل خبر يصل من جبل الدروز يقول إن القتلى الفرنسيين يسقطون بالعشرات، فتلك معلومات يمكن أن تكون مصدر سعادة في ظروف غير التي هي عليها، لكنها تعني أنها لن تفلت من أيدي الفرنسيين، وبات أمرًا حتميًا أن يُقبض عليها هي وصغارها، ومن يدري، فربما لن يمهلوهم فرصة القبض عليهم، فقد تصيبهم رصاصات الفرنسيين مباشرة، انتقامًا مما يحدث في جبل الدروز.

كان الخطر يلاحق عالية، خطر الفرنسيين، وخطر فهد الأطرش الذي يمكن أن يعاود الكرّة ويطلب أولاده إلى الجبل مرة أخرى، خصوصا بعد أن انفصل عن عالية، وتزوج بالثالثة، وإذا كانت عالية استطاعت أن تؤثر في سليم الأطرش وتنجو بصغارها وتمنع عودتهم الى والدهم في جبل الدروز، فقد ينجح أخر فيما فشل فيه سليم، فيعيد الصغار الى الجبل.

في ذلك الوقت كانت تسيطر على رأس عالية طوال الوقت فكرة معينة، لكنها ما زالت تختمر، وتدرسها جيدا، ويوما بعد يوم تتضح لها المعالم والخطوط كلها.

فكرت في أن تذهب إلى مصر، فهي الملجأ الآمن الآن، لقد قرأت عنها كثيرًا، وعرفت أنباء ثورة الشعب المصري مع سعد زغلول عام 1919، تلك الثورة التي فجرت في قلوب العرب حبًا لمصر، وعُرفت أنها دار مضيافة تفتح ذراعيها لكل عربي، بل ومنها يأتي الفنانون والمطربون، وفيها الخير العميم. لكن لم يبق على تنفيذ الفكرة إلا السبب الأخير، والموقف القاهر.

الهروب الأخير

ذات منتصف ليل، دقّ الباب فارتاعت عالية واحتضنت أطفالها وهي تسأل: من أنت وماذا تريد؟

- افتحي الباب، وستعرفين، ليس لدينا وقت.

- وهل هذا وقت تطرق فيه بيوت الناس، انتظر حتى أوقظ الخدم أولا ليقابلوك. لا تدّعي العجلة، أعرف أحاييل اللصوص!

جاء صوت الطارق توسلا لا يُخفى، فلما تبيّنته عالية فتحت الباب قليلا ووجدت الصوت يقول:

- سيدتي، أرجوك، صدر أمر فرنسي بالقبض عليكم، هيا إلى الفرار، أنا درزي وأنتم أهلي وعشيرتي، ولن أترككم الى أن تكونوا في مأمن...هيا.

- وكيف عرفت ذلك؟

- من مصادرنا سيدتي، أرجوك العجلة ليس لدينا وقت.

لم تدرك عالية كيف صدقت «طارق الليل» هذا، وهرعت إلى السيارة هي وصغارها «فؤاد وفريد وآمال» متوجّسة خيفة، لا تعلم إلى أين المفر، وهنا قفزت الفكرة التي كانت اختمرت تقريبًا في رأسها.

كذلك لم تدر عالية كيف تركت أطراف بيروت مع صغارها قبل أن يتنبه إليها الفرنسيون، بل وكيف قادت سيارتها جنوبا حتى حيفا في فلسطين، هناك باعت العربة واندفعت إلى محطة السكك الحديدية ، حيث أخذت القطار إلى مصر، ووصلت إلى مدينة القنطرة ومنها إلى القاهرة.

في القطار، وضعت الأم غطاء خفيفًا على صغارها... وراحت تتجول بعينيها في المسافرين من حولها، كانوا يثرثرون ولا يكفون عن اللغط، أما هي فوجدت في الصمت ملاذها لترتب صور الماضي ابتداءً من يوم كاد فيه فريد أن يغرق، حتى اللحظة التي فيها كانت الأسرة كلها تقع في الأسر على أيدي الفرنسيين، ووقتها لم يكن الأمر سينتهي عند الأسر، ربما حرموها من الأطفال، أو حرموا أطفالها منها. راحت تبحث من خلال الماضي عن باب تدخل منه إلى المستقبل... هل يمكن التكهن بشيء عما يطويه القدر؟ وهل يستطيع الخيال أن يسبق الأيام المقبلة ويرسم لها صورة تدخل الطمأنينة وتهدئ روع الأم التي تواجه الدنيا وحيدة... إلا من ثلاثة أكوام من اللحم، تفتح أفواهها لتطلب الطعام، أو تمد أطوالها فتطلب الثياب، أو تفرد أيديها تطلب الشراء؟!

الملجأ الوحيد

توقفت الأم عن الاسترسال في أفكارها عندما استرخى القطار عند القنطرة وصعد إليه رجال الجوازات وتوقفوا فجأة عند الأم وأولادها...

- من أنت ومن أعطاك إذناً بالدخول؟

تجيبهم بلهجة درزية فيها استعلاء: أنا عالية المنذر من جبل الدروز، وهل لا بد لي من إذن لدخول مصر؟

تتحرك في الرجال عروق التحدي: نعم، فغير مسموح لك بالدخول من دون جواز المرور.

صمتت وأدركت أن ثمة مشكلة، فتبدّلت حالها فورا.. فهذا هو الملجأ الوحيد لهم الآن، بل وقد يكون الأخير.

بادرها رجل الجوازات وكأنه يقدم لها الحل: أليس لك من يعرفك في مصر أو القاهرة، فبغير ذلك لن تدخلي، فليس الأمر فرطًا كما تتصورين...

هنا قفزت إلى ذهنها فكرة جديدة قد تكون هي الحل، فهي تعرف أن زعيم مصر آنذاك هو سعد زغلول، وكما أن أخباره وجهاده ضد الاحتلال يملآن أرجاء الوطن العربي، فمن المؤكد أنه يعرف ما يدور في جبل الدروز وأمر الثوار سلطان الأطرش وفهد الأطرش، وغيرهما هناك في الجبل، وجهادهم ضد الاحتلال الفرنسي، وما يعانونه تحت نير الاحتلال، فانبرت قائلة: بل يعرفنا سعد زغلول، إنه شبيه في الكفاح بسلطان الأطرش وزوجي فهد الأطرش في جبل الدروز... هم على صلة وثيقة معا، وبينهم مراسلات... فاسألوه.

تبدلت لهجة التحدي لدى رجال الجوازات إلى شروع في الملاينة، وذهب أحدهم إلى جهاز تلفون قريب ليطلب رئاسته، ورئاسته طلبت بيت الزعيم سعد زغلول، فلما سمع سعد اسمي سلطان وفهد الأطرش أصدر أمره بأن تدخل الأسرة إلى البلاد بغير قيد أو شرط.

وفي إجلال واحترام، حمل رجال الجوازات النبأ إلى الأم: سيدتي تستطيعون الدخول الآن، سمح لكم سعد باشا أن تدخلوا على مسؤوليته الشخصية.

لم تجب الأم، لكن بدت على وجهها علامات الارتياح، نظرت إلى صغارها الذين كانوا فتحوا أعينهم مشدوهين بعد أن طار منها النوم.

أين نحن يا أماه؟

لا تخافوا، نحن الآن في مأمن، نحن في مصر.

رحلة الشقاء.. والفقر

كانت آمال آنذاك طفلة دون العاشرة من عمرها، بينما كان شقيقها فريد يكبرها بعامين، أما فؤاد الشقيق الأكبر فكان يكبرها بثلاثة أعوام.

سمحت السلطات المصرية بدخول عائلة فهد الأطرش، وما إن وصل القطار إلى محطة سكك حديد مصر في القاهرة، حتى راحت تبحث عن «شقة للإيجار»، طالبة ما يتناسب مع حالتهم الجديدة، وليس مع ما كانوا عليه، ولا حتى ما يتناسب مع أصل عائلتها وعائلة زوجها أمراء الدروز من آل الأطرش، واهتدت بعد بحث ليس بطويل إلى شقة متواضعة من غرفتين وصالة صغيرة في حي باب البحر في منطقة الفجالة القريبة من محطة سكك حديد مصر، والتي يطلق عليها محطة مصر، بستّون قرشًا تدفع كل أول شهر.

كان أول ما بحثت عالية عنه بعد أن استقرت وصغارها في القاهرة، هو كيف ستعيش وهؤلاء الصغار، من دون مصدر دخل؟ وكيف ستدبر حالها، كذلك لا بد من أن يتعلم هؤلاء الصغار، ويلتحقوا بالمدارس، ولم يكن في ذلك الوقت «مجانية تعليم» في مصر، بل كان التعليم كله خاصاً وتكاليفه مرتفعة، مع إعفاء المتفوقين فحسب، غير أنها وجدت ضالتها في فرصة رائعة تمنحها مدارس الراهبات الفرنسية لأولاد الفقراء للتعلم مجانا، فما كان منها إلى أن ألحقت الأولاد بها مجانًا، التحق فريد وفؤاد في مدرسة «الخرنفش»، والتحقت أسمهان بمدرسة الراهبات في حي شبرا الشهير.

يضيق الصغيران فريد وآمال ذرعا بالظروف الجديدة التي أُجبرت الأسرة عليها، في حين أن فؤاد وعلى رغم ضيقه بالظروف نفسها، إلا أن إحساسه بأنه كبير الأسرة الآن، جعله يتحملها، ويفقد أعصابه في مواجهة فريد:

ماذا حدث لنا... ولماذا نسكن هاتين الحجرتين الضيقتين.. متى يأتي والدنا ويحمل لنا الهدايا والحلوى.. ويأخذنا الى قصرنا في بيروت؟

أخفض صوتك يا فريد... لا تكف أمنا عن البكاء منذ جئنا إلى هنا، إنها اشترت بأكثر ما معها من نقود هذه الأشياء الموجودة في الشقة، ثم ألا ترى أنها تطهو طعامنا بنفسها، وماء الغسيل يقرّح أصابعها وهى التي لم تفعل ذلك يوما...

mueller
11-17-2008, 02:37 PM
لكن...

أرجوك لا تؤلمها بهذا الكلام!

بدأ فريد يعي ما حوله ويعرف حقائق حياته الجديدة كلها، وفي الوقت نفسه كانت عالية تكثر من الغناء له بصوت فيه دموع، وكان كل صبح يطلع عليهم يضيف إلى نسيج الحقيقة التي بدأت تتضح خيطا جديدا، فيزيد الصغار يقينا أن الأسرة صارت إلى الفقر لا محالة مع اقتراب نفاد النقود التى حصلت عليها الأم من بيع سيارتها في حيفا، وأن العز القديـم لم يعد غير ذكريات، فقد كانت كمية اللحم التي تحملها الأم إلى البيت تتناقص يوما بعد يوم، وتشي بأن الإفلاس وشيك ولا تستطيع الأم إلا أن تعدل بين الثلاثة في نصيبهم من اللحم، وفريد الذي يحب المداعبة يحتفظ بنصيبه حتى ينتهي فؤاد وآمال من التهام نصيبهما، فيبـرز ما معه وهو يحرك لسانه في الهواء يغيظ الاثنين، وأسمهان لا تستطيع أن تكظم غيظها، فتدفع قطتها إلى قطعة اللحم فتختطفها القطة وتجري بها إلى ركن الحجرة، بين ضحكات آمال وفؤاد، ويستبد الغضب بفريد فيثب على القطة وثبا، ويلاحقها بين الحجرات، ولا يتركها تهنأ بقطعة اللحم، ينتزعها من فمها ويجري إلى صنبور الماء فيغسلها، ويعود بها وهو يمضغها في تلذذ، ويتوقف لحظة ليخرج لسانه لفؤاد وآمال... يغيظهما، والأم تضحك بينما قلبها يدمي لما ترى، والحجرتان اللتان صارتا كل دنيا القافلة الشاردة رطبتان، وقلة الغذاء لم تكن عادة الصغار المنعمين.

أولاد كوسا

بسبب ذلك مرض فريد، كان يسعل سعالا يقطع قلب أمه، فليس في حقيبتها أجر طبيب، وقد التفت حوله نسوة باب البحر وأعطينها وصفة جربنها في عشرات المرضى فكانت ترياقا لكل سعال! كانت الأم تسهر الليل على مصباح الغاز تصنع المناديل ذات «القوية» لتبيعها لبنات الحي وتكفي مصاريف البيت بعد أن نفد كل الرصيد... والصغار أمامها يتغطون بغطاء واحد... وفريد في طرف الفراش كي لا تسري العدوى منه إلى فؤاد وآمال، والتي كانت كثيرة الحركة وكثيرا ما تجذب الغطاء إليها فيتعرى فريد.

لم يكن الذي يشغل بال عالية بنت المنذر أن تدبر قوتا لأولادها فحسب، بل كانت تفكر في الغد وترسم بعقل الأم وقلبها شكل المستقبل فيه، وهي المتعلمة، فكيف تفكر في خطة للغد لا يكون العلم عمادها؟ لكن من أين لها تكاليف المدارس، وإذا استطاعت من كد الإبرة أن توفر لهم تكاليف عام، فماذا تفعل في العام الذي يليه، وحين يشبّون وتزداد مطالبهم وتتعقد، لكنها اهتدت إلى مدرسة تقبل أولاد الفقراء مجانًا، وترددت قبل أن تطرق باب المدرسة لأن المدرسة فرنسية، وهل يمكن أن تقبل مدرسة فرنسية أولاد الأطرش الذي يحارب الفرنسيين في جبل الدروز بغير هوادة؟ وإذا كان هؤلاء هم أولاد الأطرش، فهل يشملهم الإعفاء من التكاليف لعلة الفقر؟ قررت الأم وذهبت بأولادها إلى المدرسة، وقالت لمدير المدرسة إنها تعبر بحر الحياة من غير عائل، فهل يرق قلبه ويفتح باب المدرسة لصغارها، والرجل يسألها: أولاد من هم؟

أولاد كوسا؟

أفلتت منه ضحكة رغما عنه، فالاسم المعروف فى بلاد الشام ليس شائعًا فى مصر، ثم أحس أن الضحكة وخزت الأم المسكينة، وكأنما أراد أن يعتذر لها عما بدر منه فقبل أولادها.

هكذا صار فؤاد وفريد كوسا تلميذين في مدرسة الخرنفش، ولم تكن فترة الدراسة بهيجة ولا ممتعة، فقد كان التلاميذ يلتفون حول كوسا، بالمظاهرات الضاحكة، وفؤاد يدافع عن فريد، لكن التلامذة يواصلون الضحك، ويعود فريد باكيا، فتطيّب الام خاطره وتمسك بالعود وتغني، أو تدعوه لجلسة الخميس حين كانت تزورها النساء السوريات فيتبادلن أخبارهن القاهرية، ويقص عليهن من وصلته أخبارًا من جبل الدروز، ثم ينصرفن إلى الغناء بجوقة واسطة العقد فيها عالية.

الغناء للحياة

في المدرسة، كان محرمًا على فريد وفؤاد وغيرهما من التلاميذ المسلمين أن يحضروا دروس الدين المسيحي، لكن فريد كان شديد الفضول لمعرفة ما يدور في القاعة التي يسمع فيها تلك الترانيم، فإذا سمع التلامذة يرتلون انتظرهم واحدا بعد الآخر، وحفظ معهم ما يحفظون، ومرة سمعه القس الذي يلقن التلامذة أصول الدين المسيحي وفنون الترتيل، فضمّه إلى الفصل وسرعان ما لمع صوت فريد، وصار رئيسًا لكل الذين ينشدون، فقد أحب الغناء، بقدر حبه للحياة، وقد يزيد، وهو ما كان يجمعه مع آمال، حبهما الجارف لسماع الموسيقى والغناء، في الوقت الذي كان فؤاد يتعامل بشكل عملي لإحساسه الأكبر بالمسؤولية، ويعود فؤاد وفريد إلى البيت فتسألهما الأم: كيف كنتما اليوم في المدرسة؟

يجيبها فؤاد بأنه لا جديد، فيما يبدو الغضب على فريد وهو يقول لها: المدارس الفرنسية شديدة التعصب لفرنسا. نبدأ اليوم بالدعاء لها ونصرتها في حروبها، فقد حركت شفتي من دون أن أردد الدعاء، هل أدعو لفرنسا بالنصر على أبي؟

تضحك الأم، ويطمئن فريد إلى ضحكتها فيضحك... ثم يتذكر فجأة: لكن التلامذة يضايقونني... إنهم يتندرون بحكاية كوسا، وكدت أصرخ فيهم أن كوسا ليس اسمنا واسمنا الأطرش، عمنا سلطان باشا هو الذي تنشر الصحف صورته مع أمجاده، ووالدي الأمير فهد الأطرش.

تضرب الأم صدرها بخوف وتصيح: إياك أن تفعل ذلك، وإلا سيطردونك من المدرسة إلى الأبد!

يسأل الصغير نفسه: لماذا هذا الضنى كله؟ لماذا نعيش تحت اسم غير اسمنا؟ لماذا ترتاع أمي لمجرد أنني فكرت في أن أعلن على الملأ اسمي الحقيقي، وأرتاح من سخرية زملائي؟ بل لماذا نعيش في هاتين الحجرتين بعد أن كنا نعيش في قصر؟ لماذا يعيش شقيقي فؤاد في انكسار.. ولماذا لا تتدلل شقيقتي آمال مثلما سائر الصغيرات؟ هل سنعيش في تلك الأحزان بلا حدود.. أم أنك ستأتي يا أبي؟!

mueller
11-17-2008, 02:38 PM
لعنة الفرنسيين

من خلال المخزون الرائع الذي اختزنه فريد منذ ولادته بسماع صوت أمه عالية وألحانها، كان يحلو له كثيرا وهو لا يزال طفلا دون الثالثة عشرة، أن يتغنى ببعض أغنياتها، فقد كانت تتمتع بصوت جميل قادر على تأدية العتابا والميجانا، وهو لون غنائي معروف في سورية ولبنان، وكانت عالية متأثرة بمطرب العتابا اللبناني يوسف تاج، وهو ما كان يثير في فريد شجوناً رائعة، ظلت معه طيلة حياته.

على الرغم من تحذيرات أمه من كشف سر عائلته، إلا أن المحظور وقع ومن دون تدبير، فقد كان يعرف الأسرة متري هواويني السوري الأصل، وكان يعجب أشد الإعجاب بصوت الأم ثم تحولت حماسته إلى الإعجاب بفريد حين سمعه يغني. حتى أنه أغرى أمه كي تطلقه إلى ميدان الغناء وهو في الثانية عشرة!

في أحد الأيام ذهب هواويني إلى مدرسة الخرنفش ليشاهد «بروفا» لأحد احتفالاتها فسمع فريد يغني... وهمس في أذن هواويني أحد أساتذة المدرسة: هل يعجبك الصغير؟

وقبل أن يتلقى من هواويني جوابا استطرد قائلا: اسمه فريد كوسا.

فسأله هواويني والدهشة في عينيه: فريد كوسا؟ (ضاحكا) هذا ابن مجد... إن اسمه فريد فهد الأطرش... ألم تسمع عن عائلة الأطرش؟

نظر المدرّس الفرنسي نظرة حاقدة إلى فريد: نعم أسمع... وأسمع عنهم الكثير.

http://193.200.40.42/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2008/09/03/76240_two-(4).jpg
فريد الأطرش في صباه

في اليوم التالي وبينما كان فريد في إحدى الحصص، دخل ذاك المدرّس فصل الدراسة ونادى: فريد فهد الأطرش. ناداه وعيناه عليه، ارتبك فريد وتلكأ قبل أن يجيب نعم، طاردته نظرات المدرّس، فأحس عرقا باردا يغسل وجهه، وهمّ بأن يتكلم فتعثرت الكلمات في حلقه، فهب واقفاً وقال بجهد: أفنــدم.

بدا الانتصار في نبرة المدرّس: ناظر المدرسة في انتظارك!

وخلال دقائق معدودة كان فريد الأطرش يحمل كل كتبه وأشجانه، تسبقه دموعه إلى بيته!

قمعت الأم أحزانها في داخلها، وهوّنت على صغيرها... وليلة الخميس تبادلت السوريات قصة فريد، واقترح بعضهن على الأم أن تذهب به إلى المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك، ففيها قسم مجاني، وليس ثمة معارك بين الروم والدروز مثلما بين الفرنسيين والدروز.

التحق فريد بالمدرسة البطريركية، بينما ظلت آمال في مدرستها في شبرا، أما فؤاد فقد اختار طريقاً آخر كي تستمر الحياة، خصوصا أن معين الأسرة من المال نضب تماما... ولا بد من البحث عن باب جديد من الأمل.

mueller
11-17-2008, 02:39 PM
الحلقة الرابعة
سوء تغذية


http://193.200.40.42/AlJarida/Resources/ArticlesPictures/2008/09/04/76383_one-(2).jpg
مصر في أوئل القرن العشرين


عاشت الأم وأولادها ظروفاً صعبة بعد أن أنفقت كل ما كان معها من مال، بل وعرفوا الفقر والجوع والحرمان. لم يكن هناك حل سوى أن يترك الشقيق الأكبر فؤاد الدراسة ليلتحق بعمل، فقد تساعد قروشه البسيطة التي سيكسبها الأسرة، وكان ذلك بمعرفة أحد الجيران، حيث كانت الأسرة عُرفت وسط جيرانها في حي باب البحر. قبل فؤاد أن يعمل لدى الدكتور شلبي طبيب الأسنان الشهير آنذاك في حي الموسكي بقروش بسيطة، لكنها كانت مهمة جدا في ذلك الوقت الذي تخلى فيه الجميع عن الأسرة، حيث استنفدت كل المال الذي تملكه وانقطعت أخبار الوالد.

من خلال تردد عالية على مدرسة الراهبات في شبرا والتي تدرس فيها «آمال»، استطاعت أن تدبر لها إحدى الراهبات عملا في الأديرة، فتقوم بأعمال التنظيف مقابل قروش بسيطة أيضا، يمكن أن تساعدها بجانب قروش فؤاد التي يتكسبها من عمله لدى طبيب الأسنان.

لكن حياة الضنك تلك لم تستمر طويلا، وذات يوم طرق باب الأسرة موظف من الجامعة الأميركية يدعو الأم وأولادها لمقابلة البارون أيكرين، وهو مليونير أميركي كان معجبا بثورة الدروز وصمود «آل الأطرش» أمام فرنسا, إذ كان يمدهم بالمال والسلاح، وقرر مساعدة الأسرة بمنحها 100 دولار شهريا، وبذلك انفرج الضيق وتحول البؤس إلى رخاء، إذ عرفت الحلوى الشامية طريقها إلى بيتهم للمرة الأولى منذ مجيئهم إلى مصر، واستمع الجيران الى صوت بلبل يصدح في بعض أوقات النهار والليل، عندما تشدو عالية بأجمل ما لديها من أغان.

تعرّضت آمال لسوء التغذية بعدما نضب مورد الأسرة ومصدر انتعاشها، عندما سافر المليونير الأميركي الذي كان يمدهم شهرياً بمائة دولار. في تلك الأيام، عرفت أمال الجوع والحرمان، وفي أحد الأيام خلا البيت من أي طعام فأرسلتها والدتها لاقتراض بعض المال من الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، أحد الزعماء السوريين، والمقيم في القاهرة وعلى معرفة بأسرة الأطرش، وكان منزله في منطقة غاردن سيتي، التي تبعد كيلومترات عدة عن حي الفجالة، فقطعت المسافة كلها مشياً على الأقدام، وحين قابلته وأبلغته رسالة والدتها عن سوء حالتهم قدم لها «ريالا» واحدا عادت به إلى أمها، وعندما رأته والدتها بكت وبكت معها آمال وقدّرت في ذلك الوقت بأنهم أوشكوا أن يتسولوا.

مسارح روض الفرج

مر وقت طويل انقطعت فيه أخبار «السويداء», حيث يقيم الأب ويقاتل، ولم يبق أي أمل في أن يجيء العز القديم وذكريات الترف، ماذا تفعل الأم كي تواجه الحياة؟ استقر رأيها على أن تغني في «روض الفرج»، وهو قرار خطير... جد خطير، لم يملك الصغيران فؤاد وفريد إلا أن يقابلاه بالوجوم. أما آمال فكانت أصغر من أن تعي معنى القرار، ومن ناحيتهما التزم فؤاد وفريد بأن يذهبا مع أمهما إلى حيث تغني، فيمكثان في الكواليس الى أن يجيء دورها في الغناء، فيرهف فريد السمع إليها وفي قلبه حسرة، وفؤاد الذي يعرف قدر أهله أكثر مما يعرف فريد يتمزق قلبه، غير أن حزن فريد يتبدد أمام سماع الموسيقى والغناء، فذلك هو الفن وهو أسمى ما في الوجود، ولا شيء عنده يعادل آهة الاستحسان عندما يسمعها من المستمعين أو من نفسه، عمل شريف لا غبار عليه، لماذا يحزن. أما فؤاد فكان له رأي ومشاعر مختلفين، فهو يرفض أن تعمل أمه كمغنية في المسارح، ولولا ضغط الحاجة وضيق ذات اليد لمنعها من ذلك.

يجلس كل منهما، فؤاد وفريد، يجتر خواطره مع نفسه، فإذا فرغت الأم من الغناء عادوا إلى البيت في عربة «حنطور» يجرها جواد وأيقظوا آمال من نومها عند الجيران، وفي كثير من الأحيان تضطر آمال لأن تذهب لقضاء اليوم عند أسرة من الأسر التي تعرفوا إليها، لحين انقضاء اليوم وعودة الأم وبصحبتها فؤاد وفريد. كانت آمال تعودت على زيارة أسرة الأمير الاي محسن بك، من وقت الى آخر تلهو مع أولادهم، وتقضي معهم النهار، وكان بيتهم في شارع الشيخ ريحان، بالقرب من ميدان عابدين، وفي أحد أيام الشتاء، ذهبت آمال، وبقيت معهم طوال اليوم، وما أن استعدت للرحيل، حتى انهمر المطر بغزارة، وظنت آمال أنهم سيقلّونها بسيارتهم إلى منزلها في حي الفجالة، في ظل البرد القارس والأمطار الغزيرة، فعرضوا عليها البقاء الى أن ينتهي المطر. بقيت بعض الوقت، لكن المطر في تزايد مستمر، فعدلوا عن الخروج بالسيارة، وآمال تنتظر والليل يهجم ببرده وأمطاره، فقررت الذهاب: لكن ماذا ستفعلين في ذلك الجو المطير؟

أجابت آمال: سأستقل سيارة أجرة (تاكسي) حتى منزلنا في الفجالة.

خرجت بكبريائها وكأنها تريد أن تستقل سيارة أجرة فعلا، وقد خجلت أن تقول لهم إنها لا تملك قرشا، وسارت تحت المطر وفي الوحول من عابدين حتى الفجالة، لتصل إلى بيتها في حالة إعياء شديدة، ظلت بعدها طريحة الفراش عشرة أيام.

فريد يدرس الموسيقى

كان فريد ينظر إلى تلك المرحلة من عمر الأسرة على أنها مرحلة استيعاب، وكانت ذاكرته كالخزانة الكبيرة تتلقى كل نغم، فتحتضنه وتهتز له، فإذا التقى بعوده يسرد كل ما سمع ويضيف إليه، والأم من ذلك كله في فرحة. سمع بنبوغ فريد شيخ العروبة أحمد زكي وهو الذى أفنى عمره في الترجمة وإحياء التراث العربي، متخذا ذلك الخط الذي يعتبر العمل الفكري وسيلة لتنوير الأذهان، لنشر التراث والتنقيب عنه في مكتبات الشرق والغرب، فلم يكن أحمد زكي باشا يمتلك ثروة طائلة، إلا أنه كان أبعد يدا وأكثر جرأة في السفر والترحال والبحث، واسع الحيلة في الحصول على الكتب والمخطوطات وقد ساعده في ذلك أيضا، ظروف حياته الخاصة، إلى جانب وظيفته في مجلس النظار التي أمنت له فرصة السفر والتعرف الى شخصيات عربية وعالمية عدة، من خلال اتصاله بدوائر الباحثين والمستشرقين في المجمع العلمي المصري والجمعية الجغرافية، ومن هنا جاءت صلته بعائلة آل الأطرش.

mueller
11-17-2008, 02:39 PM
ما ان علم أحمد زكي باشا بحب فريد ونبوغه في الموسيقى، حتى قرر أن يساعده في دراسة الموسيقى، وكتب له «بطاقة توصية» وقال له: خذها إلى مصطفى رضا.

- أين؟

- في نادي الموسيقى الشرقي، معهد الموسيقى العربية راهنا، فهو رئيس النادي.

استقبل مصطفى رضا فريد الأطرش بما يليق أن يستقبل به من يحمل بطاقة أحمد زكي باشا: على العين والرأس بطاقة الباشا، لكن لا شفاعة لك عندي إن لم تكن فنانا تتقن العزف على آلة موسيقية.

أثلجت العبارة صدر فريد وقال: نعم، هل يسمح وقت سيادتكم فتسمع عزفي على العود؟

- العود، إذن هيا يا فتى، دعني أرى مؤهلك الحقيقي.

تأمل مصطفى رضا فريد وهو يحتضن العود، ثم وهو يجري عليه أنامله بمقطوعات معروفة، ثم فجأة بدأ يعزف مقطوعات جديدة.

لمن المقطوعة يا فتى؟

تلعثم فريد... غير أنه وجد نظرات الإعجاب في عيني مصطفى رضا تشجعه.

هذه من تأليفي.

تجولت عينا مصطفى رضا فوق بنطال فريد القصير وعوده الذي انبثقت منه أنغام ساحرة، ثم وجهه الطفولي، ثم بطاقة الباشا وقال: حسناً... ستبدأ الدراسة في المعهد فورا.

خرج فريد من عند مصطفى رضا بقلب مفعم بالفرحة، فاتصل الاخير بأحمد باشا زكي ليشكره على الموهوب الصغير الذي أهداه للمعهد، فردّ: لي عندك رجاء يا مصطفى بك، «فريد» هذا «عزيز قوم ذل»، فهلا ساعده المعهد فأعطاه ولو مصاريف تنقلاته، ولو أنني أعرف أنه سيقبل مني ذلك لفعلت، لكن نفسه أبية وعزيزة وسيرفض، لكن عندما يأتي ذلك من خلال المعهد سيقبل.

له هذا يا باشا... وستسمع عنه الخير دائما.

عالية تعتزل المسارح

كان فؤاد وفريد اتخذا قراراً في شأن عمل أمهما في {روض الفرج}، والذي يعتبر الرئة الثانية لأهل القاهرة يلجأون إليه في الصيف لمشاهدة الفرق المسرحية التي كانت تقدم عروضها على شاطئ النيل، كفرقتي الريحاني والكسار، فضلا عن مسارح كثيرة تقدم الغناء والرقص الشرقي، وهي أجواء لم تلق هوى في نفس فؤاد تحديدا، فقبل بداية على مضض وتحت الحاجة، لكن الآن يشعر أن عمله وفريد، الى جانب بعض ما تقوم به الأم من عمل الحياكة، قد يعينهم على الحياة، فكان قرار فؤاد أن تمتنع أمه عن الغناء في مثل تلك المسارح، واتفق الاثنان على أن ينبريا لمواجهة تكاليف الحياة. كان فؤاد استقر في عمله لدى طبيب الأسنان الدكتور شلبي، ليتعلم على يديه الحرفة، أما فريد فقد ذهب إلى محل «بلاتشي»، وهو لا يبعد كثيرا عن عيادة الدكتور شلبي، وعرض عليه خدماته فقبل ليقبض النقود من المشترين، فتذكر فريد كيف كان يكره الحساب في المدرسة، وكيف كان يقول لمدرس الحساب كلما أنزل به العقاب إنه لن يبيع «البطاطس»، لذلك فإن الحساب لا يهمه، وها هو يبيع القماش ولا بد من أن يكون مفتوح العينين معا كي لا يخطئ ويضطر لدفع قروشه البسيطة ثمنا لخطئه، وإذا ما جاء موعد «الأوكازيون» السنوي فإن على فريد واجبا آخر، وهو أن يركب «دراجة هوائية» ويحمل الإعلانات التي تحدد موعد «الأوكازيون» وفرص الزبائن فيه، ويطوف الأحياء والشوارع، يصعد إلى البيوت فيقذف بالإعلانات من تحت الأبواب، أو يضعها في صناديق البريد في العمارات الكبيرة، أو يسلمها باليد للجمهور في الشوارع، وله عن هذا العمل الإضافي عشرة قروش.

نبوءة السنباطي...
ومفاجأة داود

http://iraq.iraq.ir/cpg/albums/userpics/10182/normal_76383_two-%282%29.jpg
داود حسني

كان فريد سعيداً بهذا الشقاء، خصوصًا أنه يتقاضى عنه أربعة جنيهات شهريًا، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، وقد أمضى في عمله هذا فترات الإجازات، وكان يذهب إلى المعهد مساءً. كانت القروش القليلة التي تدخل جيبه تمنحه إحساسًا بالرضا بأنه عائل الأسرة، وبأنه يستطيع أن يكسب بعرق جبينه، وقد تصيبه ضربة شمس فلا يبالي، وقد كان في يقينه أن العمل عند «بلاتشي» لن يستمر طويلاً بعد ذلك الإطراء على فنه الذي سمعه من أستاذه في معهد الموسيقى، وكان وقتها الأستاذ رياض السنباطي. بعد أن تتلمذ فريد على يديه عامًا أتقن فيه العزف على العود كموسيقي محترف، فوجئ في أحد الأيام بالسنباطي يدخل عليه ذات يوم وهو يقول له: لن أعلمك بعد اليوم!

تقطب جبين فريد ورد: لماذا يا أستاذ... هل أخطأت في شيء؟

ضحك السنباطي وهو يربت على كتفه.

- بالعكس، لكن ليس عندي بعد اليوم ما اعلمه لك، فقد أصبحت بارعًا بما فيه الكفاية، بل ويمكن أن تنافسني، وسيكون لك شأن عظيم.

ترك فريد أستاذه السنباطي، وكلماته تطارده، وراح يفكر فيها، وكيف يحقق تلك النبوءة؟

في هذا الوقت، بدأت عالية تعمل في حياكة الملابس للسيدات، وكان ما تحصل عليه قليلا لكنه يقي شر الجوع، وذات يوم ذهبت لتوصيل ما حاكته من فساتين لبعض النسوة السوريات، وكن مجتمعات في بيت إحداهن، من خلال حفلة سمر وموسيقى وغناء، وكن جميعا يعرفن قدر عالية وصوتها الساحر، فطلبن منها أن تشدو لهن إحدى أغنياتها على العود، وشاءت المصادفة أن يتواجد الموسيقار داود حسني، وهو من كبار الملحنين القدماء، ذائع الصيت حيث كانت ألحانه تلقى كل الترحيب من غالبية المطربين والمطربات في ذلك الوقت، مثل زكي مراد, ومحمد صابر, وعبد الله الخولي, وعبد اللطيف البنا, ومنيرة المهدية, فتحية أحمد, وأم كلثوم، وليلى مراد، حيث كانت موسيقاه تختلف في التوزيع بمزج النغمات مع الإنشاء والتوزيع الموسيقى, ومنذ عام 1910 بدأت ألحان حسني بنوع جديد من الموسيقى وهو مزج بين الموسيقى الشعبية مع التقليدية، ومن خلال تلك الموسيقى دخل إلى قلوب الجميع وإلى المجتمع المصري في جميع طبقاته وانتشرت ألحانه وأغانيه في مصر والبلدان العربية، علمًا بأنه كان يهوديًا مصريًا وكانت أغانيه خفيفة وبسيطة وسلسة، وهو ما كان مثار إعجاب عالية المنذر وفريد وآمال.

كانت المفاجأة عندما سمع حسني صوت عالية المنذر وهي تغني في بيت صديقتها السورية، وأعجب جدا بصوتها، فسألها لماذا لا تحاول استغلال موهبتها، خصوصًا أنها تملك الجمال والصوت الأصيل، وكانت عالية تعرفت سابقا إلى سامي الشوا عازف الكمان المعروف في ذلك الوقت، وهو سوري الأصل من مدينة حلب، وهذان الموسيقيان ساعدا عالية فنيا وأخذت تحيي الحفلات الخاصة عند بعض العائلات واتسع رزق العائلة قليلا.

mueller
11-17-2008, 02:40 PM
بزوغ نجم موسيقي جديد

كانت كلمات الموسيقار رياض السنباطي ترن طوال الوقت في أذن فريد، لقد أصبح على مستوى عال جدا كموسيقي، بارعًا لدرجة أنه يمكن أن ينافس أستاذه، ولكن لا بد من أن يترجم ذلك على أرض الواقع، فهو يريد أن ينطلق، لكن كيف يدخل ميدان الفن الرحب؟ كيف يطرق أبوابه؟ كيف تفتح له تلك الأبواب المستعصية؟ إنه بلغ في فن العزف على العود درجة شهد بها أستاذه، وأستاذه أحد سادة النغم في هذا البلد، فكيف ينتقل من حجرة الدراسة في نادي الموسيقى إلى الجمهور؟ وكيف ينتهي عذابه مع «بلاتشي»، وكيف يريح أمه من سهرها على الإبرة؟

في حجرات نادي الموسيقى العربية، التقى فريد الأطرش بزميل الدراسة، وهو أحد الموسيقيين الذي بدأ اسمه يبزغ في تلك الفترة، وهو الموسيقار اللبناني فريد غصن أحد أبرع العازفين على آلة العود. تعددت لقاءاتهما، وكانا يتحدثان طويلا، وفورا جمعهما حبهما المشترك للعود، وفي أحد الأيام بعد أن فرغا من اللقاء في نادي الموسيقى، استقلا الترام سويًا إلى غمرة، فهناك كانا يسكنان، وقد أدهش فريد أنه جار غصن وهو لا يدري! في المساء، ذهب فريد إلى بيت جاره وهناك التقى بالمطرب ابراهيم حمودة، وكان الأخير في ذلك الحين نجما متألقا في سماء الأغنية المصرية، ولما سمع فريد اهتز طربا وطلب منه أن يعيد أكثر من مرة، وما أن فرغ حتى قال له غصن: سمعت عن عزفك، لكني لم أكن سمعتك تعزف... وأشهد اليوم أن نجمًا في الموسيقى بزغ.

أما حمودة فقد أضاف إلى الإطراء اتفاقًا فوريًا على العمل، فهو الذي شغل مكان محمد عبد الوهاب حين كفّ الأخير عن العمل مع فرقة منيرة المهدية، وقرر أن يأخذ فريد للعزف على العود مع فرقته، في مقابل أن يعطيه جنيهاً أو جنيهين حسب الحفلة التي يحييها! لكن تلك الجنيهات القليلة لم تكن دائمة يمكن أن يرتب فريد حياته عليها، كانت متقطعة لا يعرف لها موعدا، لهذا استمر يعمل عند «بلاتشي»، واستمر يفكر في كيف يجد القليل الدائم الذي ينسج منه هناءة أسرته.

وإلى الحلقة المقبلة