مشاهدة النسخة كاملة : التدبر في سورة الفاتحة (درس كامل)
((نزف ^^ المشاعر))
12-15-2008, 12:18 PM
التدبر في سورة الفاتحة
تتجلى أهمية سورة الفاتحة من خلال ملاحظة عدة جوانب وأبعاد , حيث أنها من السور القرآنية التي قيل بتكرارنزولها مرتين, مرة في مكة, وأخرى في المدينة, كما أنها السورة التي قيل أنها تتضمن العديد من المضامين والمفاهيم القرآنية , بل قيل أنها تحتوي جميع ما جاء في القرآن الكريم من مفاهيم وعلوم , ويكفي أنها السورة التي يقرأها الإنسان كل يوم وليلة في صلاته التي تمثل الرابط الأساس بينه وبين الله خمس مرات .
من فضل سورة الفاتحة :
*ورد عن النبي (ص) في مكارم الأخلاق أنه قال: في الحمد سبع مرات شفاء من كل داء, فإن عود بها صاحبها مائة مرة وكان الروح قد خرج من الجسد رد الله عليه الروح .
* وعن الحسن بن علي قال : قال رسول الله (ص) : من قرأ فاتحة الكتاب أعطاه اللع عز وجل بعدد كل آية نزلت من السماء ثواب تلاوتها.
ولعل ابراز ما يدل على اهميتها هو فرضها مكررة في الصلاة التي تعتبر العبادة الرئيسة في الاسلام وفي حياة الانسان , ولعل سبب تكرارها في الصلاة , اضافة الى الأسرار الغيبية التي لا يعلمها الا الله , هو امر مرتبط بما لهذه السورة من قيمة عالية ومضامين كبيرة ذات مستوى عال.
أسماء السورة :
لسورة الحمد أسماء عديدة منها :
أ- أم الكتاب: وقد جاء هذا الاسم بصفتين , احدهما ام الكتاب والاخرى ام القرآن , ولعل التسميتين واحدة , وذلك باعتبار ان المراد من الكتاب والقرآن امر واحد .
ب- الحمد: لابتدأ السورة بكلمة الحمد .
ج- الفاتحة : لافتتاح المصحف الشريف بها .
د - السبع المثاني : ويمتاز هذا الاسم بأنه ورد ذكره في القرآن الكريم تسمية لها , قال تعالى (( لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم )).
البسملة :
هل البسملة آية من القرآن الكريم أم لا ؟
هناك اقوال متعدده أهمها ثلاثة هي:
الاول : ان البسملة جزء من الفاتحة وكل سورة من القرآن باستثناء سورة براءة.
الثاني : ان البسملة ليست جزء من القرآن الكريم باستثناء البسملة الواردة في سورة النمل في قوله تعالى ((انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم ))
الثالث : التفصيل بين سورة الفاتحة وغيرها من السور , فيعتبر البسملة جزء من سورة الفاتحة بالخصوص , وأما غيرها فليست جزء منها باستثناء سورة النمل ايضا .
رأي الامامية :
أنها جزء من القرآن الكريم ومن كل سورة باستثناء سورة براءة .
أولا: معنى البسملة :
من الواضح أن البسملة من الأمور التي تختص بالمسلمين بحيث تعد إحدى الشعارات التي يمتازون بها على غيرهم يستفتحون بها أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم .
ولا يخفى أن البسملة تعد من أبرز الأذكار التي يمكن للإنسان أن يتواصل بها مع الله سبحانه وتعالى في مقام تأكيد الارتباط وتأكيد العلاقة .
ومن المعلوم أن لتلاوة البسملة مجموعة من الآثار في النفس الإنسانية , كما أنها عدة آثار في جنبة التزكية , وإبعاد الشيطان عن الإنسان.
ولكي تتمكن من الإحاطة بمعنى الآية الشريفة, نحتاج إلى بيان المفردات التي وردت فيها بحسب ما جاء في كلمة اللغويين .
الباء :
له معنى الربط بين المعاني وعلى هذا فقد افترض وجود لفظ محذوف متعلق بحرف الباء يمثل احد طرفي النسبة والذي يقوم هذا الحرف بربطه بكلمة الاسم , وأورد علماء التفسير احتمالين في تقدير هذا المحذوف هما :
الأول : ان يكون المقدر هو مادة الاستعانة سواء جاءت على صيغة فعل استعين باسم الله , أو صيغة اسم الاستعانة بسم الله , او تقدمت هذه الاستعانة على لفظ الاسم كما سبق المثالين , اول تأخرت مثل بسم الله استعين , او بسم الله الاستعانة .
ولحرف الباء هنا معنى الربط بين مادة الاستعانة وكلمة الاسم .
الثاني : ان يكون المحذوف المقدر هو مادة الابتداء جاءت بصيغة الفعل او الاسم , تقدمت او تأخرت , كما في الاحتمال الاول تماما .
وكل من المعنيين معقول في نفسه , وإن كان بالإمكان ترجيح الثاني فقد ورد عن الرسول صلى الله عليو وآله وسلم (كل أمر ذي بال لم يبتدئ فيه باسم الله فهو ابتر)
الاسم :
أصله من السمو , ويراد منه التسمية , وهو يشير الى وضع اسم لمسمى , وفي ذلك تنويه إلى رفعة المسمى من حضيض الخفاء والمجهولية , إلى منزلة الظهور والوضوح . وقد ذكر أنه مشتق من الوسم والسمة , وهو بمعنى العلامة.
الله:
من الأعلام المعروفة منذ القدم حتى في العصر الجاهلي ,وعلم للذات المقدسة واجب الوجود المستجمع لكافة صفات الكمال ,وهو أجل لفظ في الممكنات كلها ,لأعظم معنى في الموجودات جميعها .
وهذا اللفظ هو الجامع للأسماء الحسنى التسعة والتسعين , التي أحصاها دخل الجنة , ومن المعلوم أن الاسماء الحسنى تنطوي في لفظ الجلالة.
اصله من الالة بمعنى العبادة او الحيرة وقد حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال وادخل عليها الالف واللام فخص الباري تعالى به .
الرحمن:
صيغة مبالغة من رحم , تشير إلى جانب السعة والشمول . فالرحمن من الرحمة , وهي ضد القسوة , وقد عرفت كما في مفردات الراغب : بأنها رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم .
الرحمة عند الانسان انعطاف وشعور وجداني ونفسي وقلبي يشعر به عندما يحاول سد حاجة ونقص الاخرين , ولا يمكن تصور مثل هذا المعنى في حق الباري تبارك وتعالى : ليس كمثله شيء .
أما الرحمة عند الله سبحانه وتعالى هي عبارة عن فيض يفيضه لسد حاجات ونواقص الموجودات التي بحسب ذاتها تكون فقيرة ومحتاجة إلى الكمال المطلق.
الرحيم:
يحتمل فيها أن تكون صيغة مبالغة ككلمة (الرحمن) كما يحتمل فيها أن تكون صفة مشبهة. وهو مشتق من مادة الرحمة, كلفظة الرحمن, فهما يشتركان في أصل مادة الانشقاق, كما أنها يشتركان في كونهما صيغة مبالغة والفرق بينهما, أن كلمة الرحيم تشير إلى رحمة مختصة بفئة خاصة من الناس دون غيرهم, فلا شمولية فيها لجميع الأطراف , بل هي مختصة بالمؤمنين فقط دون غيرهم .
لتخير الكلمة :
لماذا اختار الله سبحانه وتعالى هاتين الصفتين ( الرحمن ,الرحيم ) ؟ ولم يذكر صفات أخرى ...
لأن المطلوب في حياة الإنسان أن تشمله العناية الإلهية فيستفيد من كل الصفات الإلهية الجمالية وكل صفات الله مآلها إلى صفتي الرحمانية والرحيمية , فمن خلال الرحمة يصدر عن الله الرزق ويشفي ويدبر ويقوي وويتوب......
نلحظ من الشكل الخارجي للبسملة ان هناك تقديم وتأخير فقد قد سبحانه الرحمن على الرحيم , فما العبرة في ذلك؟
لأن طبيعة الإنسان في طبيعته عجول وكثيرا ما يؤثر الإنسان الشيء الآتي السريع وان قل على الشيء الذي سيأتي لاحقا وإن كثر , فالرحمانية عامة وشاملة لكل الخلائق بينما الرحيمية خاصة ولا تكون لأي شخص بل لابد للحصول عليها.
ثانيا- المعنى الاجمالي والهدف التربوي للبسملة:
ان القرآن الكريم يريد تربية الانسان المسلم على الخلق الاستعانة بالله سبحانه في كل عمل من اعماله , وان يشعر العبد في كل اعماله بالعلاقة والارتباط مع الله سبحانه , ويكون احساسه بهذه العلاقة هو احساس الضعيف في مقابل القوي , والمحتاج في مقابل الغني فهذا الانسان وباعتبار شعوره بالضعف والحاجة يستعين بالله سبحانه الذي يتصف بالرحمة الرحمن الرحيم التي تعني افاضة المنفعة والفائدة على ذلك الموجود الناقص المحتاج لأجل سد حاجته وعوزه .
موقع الكلمة:
في البسملة جعلت الاستعانة متعلقة بكلمة الاسم فقال استعين باسم الله لا بالذات المقدسة مباشرة فلم يقل استعين بالله كما هي الحال في الاستعاذة اعوذ بالله فهل لموقع كلمة (الاسم ) دلالة ؟
لأنه اراد تربية المسلم على الاستعانة بالله سبحانه في كل اعماله, ولكن ليست الاستعانة بحسب المضمون والنية فقط , بل اراد له من خلال الممارسة الخارجية اظهار وابراز شكل هذه الاستعانة وتجسيدها خارجيا , فتكون بذلك شعيرة.
في الشكل الخارجي نلحظ أنه اضمر الفعل (أستعين) أو مادته (الاستعانة) قبل حرف الباء في البسملة مع انه قد جاء ظاهرا في آيات اخرى مشابهة لقوله تعالى اقرأ باسم ربك .. فلماذا؟؟
باعتب أنه أراد ابراز الاهتمام بالحالة الشكلية والتي اعتبرت شعيرة من خلال تجسيدها بالممارسات الخارجية للإنسان فلو قال استعين بالله , لاتجه الاهتمام حينئذ الى مضمون القضية الاستعانة اكثر مما يتجه الى شكلها وصورتها لتكون شعيرة.
ما السبب في تكرار البسملة في كل سورة ما عدا البراءة؟
الأول: أنا لبسملة تمثل خلقا اسلاميا: فإن من جملة الآداب التي يتميز بها المسلم دون غيره هو أنهم يبدئون كل عمل بالتسمية.
الثاني: البسملة شعار اسلامي: فأراد الله سبحانه وتعالى أن يتميز المسلمون دون من سواهم بهذا الشعار, ويعرفون بهم, لأنها تكون معلما من المعالم.
((نزف ^^ المشاعر))
12-15-2008, 12:25 PM
{الحمد لله رب العالمين}
تنقسم هذه السورة المباركة بعد البسملة الى ثلاثة مقاطع :
1- الحديث عن الله تعالى وتمجيده والثناء عليه وذكر رحمته , ويبدأ من قوله تعالى :الحمدلله رب العالمين .
2- الحديث عن علاقة الإنسان بالله تبارك وتعالى وطبيعة هذه العلاقة , ويبدأ من قوله تعالى : اياك نعبد.
3- الدعاء , ويبدأ من قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم الى آخر السورة المباركة.
مفردات المقطع الأول:
الحمد لغة : الثناء , أصطلاحا : الثناء على الجميل من النعمة أو غيرها مع المحبة والإجلال, فالحمد أن تذكر محاسن الغير سواء كان ذلك الثناء على صفة من صفاته الذاتية كالعلم أم على عطائه وتفضله على الآخرين. ولا يكون الحمد إلا للحي العاقل. والحمد لله تعالى الثناء عليه بالفضيلة .
التخير في ( الحمد ) :
هناك مفردات ثلاث تتضمن معنى الثناء وتختلف فيما بينها ببعض الخصوصيات ,وهي المدح والحمد والشكر.
لماذا تخير الحمد بدل المدح؟؟
لأن المدح أعم من الحمد فالمدح قد تكون قبل الإحسان وبعده؛ أما الحمد فلا تكون إلا بعد الإحسان , فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد؛ أما المدح فقد يكون قبل ذلك فقد تمدح إنسان ولم يفعل شيئا من المحاسن.
لماذا تخير الحمد بدل الشكر؟؟
لأن الحمد أعم من الشكر فانك تثني عليه تعالى بنعمه الواصلة إليك والى الخلق جميعا وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بك. أما الشكر فلا يكون إلا على النعمة ولا يكون على صفاته الذاتية.
تخير الحمد لله ولم يقل أحمد الله أو نحمد الله :
*إن القول "أحمد الله" أو "نحمد الله" مختص بفاعل معين في حين أن عبارة "الحمدلله" مطلقة لا تختص بفاعل معين وهذا أولى فإنك إذا قلت "أحمد الله" أخبرت عن حمدك أنت وحدك ولم تفد أن غيرك في حين أن عبارة "الحمدلله" لا تختص بفاعل معين فهو المحمود على وجه الإطلاق منك ومن غيرك.
*و"أحمد الله" تخبر عن فعلك أنت ولا يعني ذلك أن من تحمده يستحق الحمد؛ في حين إذا قلت " الحمد لله" أفاد ذلك استحقاق الحمد لله وليس مرتبط بفاعل معين .
*و"أحمد الله" أو "نحمد الله" مرتبطة بزمن معين لأن الفعل له دلالة زمنية معينة ومعنى ذلك أن الحمد لا يحدث في غير الزمان الذي تحمده فيه, ولا شك أن الزمن الذي يستطيع الشخص أو الأشخاص الحمد فيه محدود فإن حمد الله لا ينبغي أن ينقطع ولا يحد بفاعل أو بزمان في حين أن عبارة "الحمد لله" مطلقة غير مقيدة بزمن معين ولا بفاعل معين فالحمد فيها مستمر غير منقطع.
*وقول "أحمد الله" جملة فعلية و"الحمدلله" جملة اسمية والجمل الفعلية تدل على الحدوث والتجدد في حين أن الجملة الاسمية دالة على الثبوت وهي أقوى وأدوم من الجملة الفعلية. فاختيار الجملة الاسمية أولى من اختيار الجملة الفعلية وهنا إذ هو أدل على الثبات الحمد واستمراره .
*وقول " الحمد لله " معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه فانه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد. فقولنا "الحمدلله" معناه أن الحمدلله حق يستحقه لذاته ولو قال "أحمد الله" لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد بذاته ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقا للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصا واحدا حمده.
*والحمد :عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال. فإذا تلفظ الإنسان بقوله: "أحمد الله " مع أنه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامدا مع انه ليس كذلك. أما إذا قال " الحمدلله " سواء كان غافلا أو مستحضرا لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقا.
من الشكل الخارجي نجد التقديم والتأخير في "الحمدلله" فلماذا لم يقل سبحانه "لله الحمد" ؟
لو قدم الجار والمجرور فسيكون بقصد الاختصاص والحصر والحمدلله في الدنيا ليست مختصة لله سبحانه.
التخير في (الحمدلله) :فقد جاء سبحانه باسمه العلم (الله) ,فلم يقل الحمد للخالق أو أي اسم آخر من أسمائه؟
× لأنه إذا جاء بأي اسم آخر غير العلم الدال على أنه تعالى استحق الحمد فقط بالنسبة لهذا الاسم خاصة ولكن عند ذكر الذات (الله) فإنها تعني انه سبحانه يستحق الحمد لذاته لا لصفاته.
× "الحمدلله" مناسبة لما جاء بعدها (إياك نعبد) لأن العبادة كثيرا ما تختلط بلفظ الله.
لفظ الجلالة الله :قد سبق الاشارة اليه في البسملة.
رب:
تستخدم رب واللغة بعدة معان , منها : الاله والمالك والسيد والمربي والمنعم والقيّم, وأصلها من التربية . قال الراغب : الرب في الاصل التربية وهو انشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام . فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهموالمنعم عليهم وقويمهم لذا فهو أولى بالحمد من غيره وذكر (رب العالمين) هي أنسب ما يمكن وضعه بعد (الحمدلله).
العالمين :
جمع عالم والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى ؛ والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين. والعالمين علم كخاتم وطابع , تدل في هيئتها على ما يعلم به.
لم تخير العالمين على العوالم ؟
*لأمر بلاغي وهو العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل.
*اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة فالعالمين تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين و السورة كلها في المكلفين .
لما تخير كلمة رب؟
لأنها تناسب ما بعدها (اهدنا الصراط المستقيم) حيث من معاني الرب المربي وهي أشهر معانيه ومن أولى مهام الرب الهداية.
نلحظ من الشكل الخارجي صيغة الجمع في العالمين فماذا أراد بها الله سبحانه؟
قيل أنها العوالم الموجودة في هذا الوجود كله عاقلة وغير عاقلة.
وخص آخرون عالمين بخصوص عوالم العاقل وهي إما عوالم الملائكة والانس والجن , أو خصوص عالمي الانس والجن.
لماذا تخير ( رب العالمين ) ولم يقل (ربي) أو (ربنا)؟
لأنه يريد أن نحيا حية اجتماعية ويعين بعضنا بعضا في مسيرتنا نحو الكمال.
نلاحظ موقع الكلمة في قوله ( الحمدلله رب العالمين ) فبالإمكان أن نقول ( الحمد لرب العالين ) فلماذا ذكر اسم الإله؟
لأنه سبحانه يريد منا أن نتعامل معه وان نرتبط به بما هو مستجمع لصفات الكمال والجمال وصفات الفعل والذات وهذا كله نجده في اسم (الله) ثم بعد ذلك يذكر صفة (الرب) والتي تعودنا لحمده سبحانه.
الرحمن الرحيم :
وقد ذكر معناهما مفصلا في البسملة وأما ورودهما هنا هو ذكر الرحمة في سياق عدة أمور, مثل تمجيد الله وحمده والثناء عليه , ويكون بيان الرحمة هنا الى جانب بيان الحساب والعقاب والمشار اليه بـ مالك يوم الدين وكذلك بيان عبادته.
مالك يوم الدين :
المالك من التملك والملك بكسر الميم(بمعنى الذي يملك الملك )
وملك بكسر اللام من الملك بضم الميم والحكم (أليس لي ملك مصر ) الملك هنا بمعنى الحكم والحاكم الأعلى هو الله تعالى .
مالك وتصح قراءتها ملك ايضا كما هو المعروف والمتواتر.
ومالك مشتق من ملك الذي عرف بـ
*القدرة في التصرف , وهذه القدرة هي منشأ وملاك هذا التصرف .
*الاختصاص.
*الربط الشديد , فقد يعبر عن ارتباط شيء بشيء آخر بشدة بالملك.
واما ملك فإنها مشتقة من ملك الذي يعني:
*القدرة في التصرف بشكل أوسع .
*القدرة على التصرف في النظام الاجتماعي , أي الذي يملك الامر والنهي في النظام.
مالك يوم الدين , لِمَ لَمْ يذكر الدنيا ؟ سواء كان مالكا أو ملكا فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا ؟
*أولا قال "الحمدلله رب العالمين " فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا .
*مالك يوم الدين هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبل من أيام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد جمع في التعبير يوم الدين والدنيا وبقوله "يوم الدين" شمل فيه الدنيا أيضا .
لما اختار كلمة الدين ولم يقل يوم القيامة؟
*الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل جميع أنواع القيامة من أولها إلى آخرها ويشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلها من معاني الدين .
*كلمة الدين انسب مللفظ رب العالمين وانسب للمكلفين (الدين يكون لهؤلاء المكلفين) فهو أنسب من يوم القيامة لأن القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء أما الدين فمعناه الجزاء وكل معانيه تتعلق بالمكلفين لأن الكلام من أوله إلى آخره عن المكلفين لذا ناسب اختيار كلمة الدين عن القيامة.
لماذا قال (مالك يوم) بالرغم من أن اليوم لا يملك إنما فيه يملك؟
وذلك لقصد العموم فمالك اليوم هو ملك لكل ما فيه .
ـــ اليوم لغة يعبر به عن وقت طلوع الشمس إلى غروبها وقد يعبر به عن مدة من الزمن , أي مدة كانت . والمراد من كلمة يوم هو :
* الاشارة الى وحدة زمنية معينة من قبيل ما نفهمه منه عرفا , غاية ما فب الامر أنه قد يكون يوما أوسع وأطول.
* أو مجرد الاشارة إلى الوقت والزمن والكناية عنهما , ويكون معنى مالك يوم الدين هو مالك وقت الدين.
الدين : لها عدة معان , منها الجزاء , الحساب , الطاعة , العادة , القهر , فقد يعبر عن القهر الشيء وارغامه بالدين .
((نزف ^^ المشاعر))
12-15-2008, 12:28 PM
استنتاجات وفوائد من المقطع الأول :
1/ معالم العلاقة الإلهية:
العلاقة بين الله تعالى والعبد يمثل البعد الأول فيها علاقة الالوهية , والبعد الثاني علاقة العبودية وذلك لاختلاف حقيقة كل منهما عن الآخر .
وقد تعرض في هذا المقطع ( الحمدلله رب العالمين *الرحمن الرحيم *مالك يوم الدين ) إلى تشخيص طبيعة علاقة الله بالعبد من بعدها الأول الإلهي وحدد لها مجموعة من الخصوصيات وهي:
الاولى ــ الحسن الاختياري في خلق الانسان وفي كل فعل يصدر منه تعالى تجاه العبد أو تجاه غيره من الموجودات ( الحمدلله ) و هذا الخلق الحسن عن ارادة وأختيار وقدرة.
الثانية ــ التطور والتكامل وهذا (رب العالمين).
الثالثة ــ الرحمة والرافة والمحبة والود ( الرحمن الرحيم ) فهي ليست مجرد صفة جيء بها تكرارا لما في البسملة وإنما اريد منها تحديد خاصية أخرى في علاقة الله بالعبد وهي علاقة التكامل والتطور "علاقة الرحمة".
ولعل من أبرز وأهم خصائص هذه الرحمة الإلهية المرتبطة بهذا وهو حالة التكامل الانساني ـــ هي مسألة المغفرة والتوبة والتي هي رحمة مفتوحة لهذا الإنسان وبشكل واسع في هذه الدنيا إذ لولا باب المغفرة والتوبة لتوقفت حركة الانسان التكاملية عن ارتكابه لأي تمرد أو معصية أو خطأ , أي كل ما يعيق عملية تربيته ونموه وتكامله في حالتي القصور والتقصير.
الرابعة ــ العدل الإلهي ( مالك يوم الدين ) فذلك اليوم هو يوم العدل لا الرحمة بسعتها في الدار الدنيا فهو القهر والالزام ومن الالزام ينشأ الجزاء والعقاب ولا يكون للإدارة الإنسانية والاختيار دور معين يومذاك.
وهذا لا يعني بطبيعة الخال أن لا تكون هناك عقوبات تعبر عن العدل الإلهي والدار الدنيا , أو لا تكون هناك رحمة في الدار الآخرة , بل الأمر على العكس , فإن العقوبات في الدار الدنيا موجودة أيضا , ولذا نزلت الآيات الإلهية في الكافرين والظالمين , وباب الرحمة موجود في الدار الآخرة , ولذا وضعت الشفاعة والعفو عن السيئات بسبب الحسنات بل المقصود من ذلك ما اشرنا إليه بشكل عام وهو أن الخط العام الحاكم في الدنيا هو خط الرحمة , والخط العام الحاكم في الآخرة هو خط العدل الإلهي .
2/ الأهداف التربوية والعقائدية:
أولا :الأهداف التربوية ..
* تمثل في تربية الإنسان على أدب الدعاء , وهو إن يبدأ الداعي بحمد الله وتمجيده .
* تربية الإنسان على أن تكون علاقته بالله تبارك وتعالى هي علاقة الشكر من خلال حمده.
* طرح قضية الحاجة في العلاقة التكاملية بالله تعالى من خلال قوله{رب العالمين} إذ يشعر الإنسان بأنه محتاج في تكامله إلى ذلك المربي الذي يسد نقص وحاجة هذا العبد بمنه وإحسانه ثم ينعكس هذا الشعور حمد لذلك المحسن والمنعم.
* أن تكامل الإنسان الروحي لا يتم إلا من خلال توازن شعور الإنسان بالخوف والرجاء وقد تضمن هذا المقطع الشريف كلا الحالتين , فمن خلال قوله تعالى { مالك يوم الدين } يشعر الانسان حالة الخوف من يوم الالزام والقهر الذي سيعامل فيه من خلال العدل الالهي .
ثانيا: الاهداف العقائدية :
* أن الله تبارك وتعالى هو خالق كل شيء وان هذا الخلق يتصف بالحسن والجمال والكمال.
* أن الله المهيمن على مسيرة الانسان يرعى هذه المسيرة بالتربية باتجاه التطور والتكامل (رب العالمين).
* أن هذه الرحمة الإلهية محدودة بالعدل الإلهي الذي أعد الدار الآخرة للإلزام والقهر والجزاء والحساب .
مفردات المقطع الثاني :
ويشمل هذا المقطع على مفردتين رئيسيتين : العبادة والإستعانة , اضافة إلى الضمير المعبر عن الله تعالى إياك.
وصيغة البيان جاءت في هذا المقطع السابق , حيث انتقل القرآن من صيغة الحديث عن الغائب إلى صيغة الخطاب.المضمون العام في المقطع السابق كان هو المدح والثناء لله تعالى , وأما في المقطع فالمضمون العام يتضمن بيان طبيعة العلاقة بين الانسان والله سبحانه وتعالى وذلك من خلال علاقة العبادة والاستعانة به.
للعبادة معان عديدة منها:
* الخضوع والذلة.
* فسرها بعضهم بالطاعة والشكر , وافتراض أنها نوع من أنواعهما .
* ومال بعض المفسرين ومنهم العلامة الطباطبائي إلى تفسيرها بالمملوكية.
ومن خلال مراجعة الموارد التي استخدمت فيها مادة العبادة في القرآن الكريم وكتب اللغة يمكن أن نفهم أن المراد من العبادة هو اظهار الخضوع والذلة مع التقديس فتأخذ خصوصية التقديس كهنصر أساسي في مفهوم العبادة لا مجرد الخضوع والذل في نفسه.
فالعبادة لغير الله محرمة شرعا كائنا من كان الطرف الآخر , بينما لا يحرم على الإنسان الخضوع لغيره وإطاعة له كإطاعة النبي والإمام والخضوع للأبوين .
وقد أشار الطبرسي في مجمع البيان إلى أحد الاحتمالات في هذه الإضافة , فذكر أن العبادة لا تعني مجرد الخضوع بل هي الخضوع مع التعظيم وبذلك لا تكون إطاعة ولي الأمر عبادة لان التعظيم لا يشترط فيها ولا تعتبر ذلة المؤمن تجاه المؤمنين ولا ذلة الإنسان تجاه والديه عبادة لأنها ذلة رحمة ورأفة لا ذلة تعظيم.
الاستعانة :
* قال الراغب في مفرداته: العون : المعاونة والمظاهرة , والإستعانة : طلب العون.
* العلامة الطبرسي قال أن الاستعانة هي :
× تارة تكون لسد باب من أبواب عدم الشيء فيتوسل الانسان بسبب من اسبابه لتحقيقه , وهذا هو ما يتم في حياة الانسان الاعتيادية عندما يستعين بمختلف الوسائل والموجودات ليتوصل إلى تحقيق وجود الشيء .
× وتارة أخرى يراد من الإستعانة الإستعانة بكل الأمور والأسباب التي تدخل في علة وجود الشيء , بحيث يكون الأمر سدا لجميع أبواب العدم فيتحقق وجود الشيء لتحقيق جميع أجزاء وأسباب وجوده , ويعبر عن هذا بـ التوفيق , وهذا الصنف من الاستعانة هو المنحصر به تبارك وتعالى لعجز غيره عن التأثير بكل الامور والاسباب فيكون المقصود حينئذ من قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} , أي إياك نعبد وإياك نطلب التوفيق .
[إياك نعبد وإيلك نستعين]
من الشكل الخارجي نلاحظ أنه سبحانه قدم المفعولين لنعبد ونستعين وهذا التقديم للإختصاص لأنه سبحانه وتعالى وحده له العبادة والإستعانة .
كذلك نلحظ التكرار لكلمة إياك مع الفعل الاستعانة ولم يقل إياك نعبد ونستعين :
فالتكرار يفيد التنصيص على حصر المستعان به ؛ لو اقتصرنا على ضمير واحد (إياك نعبد ونستعين ) لم يعني المستعان إنما عني المعبود فقط ولو اقتصرنا على ضمير واحد لفهم من ذلك أنه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة بمعنى أنه لا يعبد بدون استعانة ولا يستعان به بدون عبادة . إنما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال ونستعين به على وجه الاستقلال وقد يجتمعان لذا وجب التكرار .
والتكرار توكيد في اللغة , في التكرار من القوة والتوكيد للإستعانة فيما ليس في الحذف.
ومن الشكل الخارجي أيضا نجد أنه سبحانه أطلق فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شيء ...
أطلقها لتشمل كل شيء وليست محددة بأمر واحد من أمور الدنيا.
ومنه أيضا نلاحظ تعبيره سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع (نعبد ونستعين) وليس بالتعبير المفرد أعبد وأستعين :
إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام لذا تلزم قراءة هذه السورة في الصلاة وتلزم أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة , وفيها دليل على أهمية الجماعة عامة في الإسلام مثل الحج وصلاة الجماعة , الزكاة , الجهاد , الأعياد والصيام. إضافة إلى أن المؤمنين إخوة فلو إياك اعبد لأغفل عبادة إخوته المؤمنين وإنما عندما نقول (إياك نعبد) نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين أيضا .
وقرن العبادة بالاستعانة ......
أولا ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله له وتوفيقه فهو إذن شعار وإعلان أن الانسان لا يستطيع أن يعمل شيئا إلا بعون الله وهو إقرار بعجز الإنسان عن القيام بالعبادات لم يعنه الله تعالى على ذلك , الاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان وكبريائه عن الاستعانة بالله واعتراف الإنسان بضعفه.
وقدم العبادة على الاستعانة ......
العبادة هي علة خلق الإنس والجن ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(الذاريات 56) والاستعانة إنما هي وسيلة للعبادة فالعبادة أولى بالتقديم .
العبادة هي حق الله والاستعانة هي مطلب من مطالبه وحق الله أولى من مطالبه.
((نزف ^^ المشاعر))
12-15-2008, 12:34 PM
تبدأ السورة بـ (الحمدلله بر العالمين , الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين ) وهذه كلها مخاطبة للغائب ثم انتقل إلى الخطاب المباشر بقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) . فلو قسنا على سياق الآيات الأولى لكان أولى القول إياه نعبد وإياه نستعين . فلماذا لم يقل سبحانه هذا ؟
في البلاغة يسمى هذا الانتقال من الغائب للمخاطب أو المتكلم أول العكس "الإلتفات" . وللإلتفات فائدة عامة وفائدة في المقام , أما الفائدة العامة فهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه . أما الفائدة التي يقتضيها المقام فهي إذا التفت المتكلم البليغ يكون لهذه الالتفاتة فائدة خاصة وهي من أول الفاتحة إلى مالك يوم الدين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة والثناء في الغيبة أصدق وأولى أما (إياك نعبد وإياك نستعين ) فهو دعاء والدعاء في الحضور أولى وأجدى ؛ إذن الثناء في الغيبة أولى والدعاء في الحضور أولى والعبادة تؤدى في الحاضر وهي أولى .
معنى المقطع [إياك نعبد وإياك نستعين]:
العلاقة بين الله والعبد في بعدها الثاني وهو علاقة العبد بالله تعالى , فهذه الاية ترتبط بالايات السابقة ارتباط سياق , وتمثل الطرف الثاني لحالة التكامل التي اشير اليها .
هناك عاملان مؤثران في عملية تكامل الانسان :
أحدهما: يرتبط بالله تبارك وتعالى ويتمثل بالمضامين التي تناولها المقطع الاول من الخلق الحسن والتربية والرحمة والعدل والجزاء .
الآخر : يرتبط بالانسان نفسه وموقفه من الله تعالى ويتمثل بالشكر والعبادة لله تعلى والشعور بالحاجة اليه والاستعانة به , التي يتناولها المقطع الثاني .
ولكي تتضح صورة هذا العامل , لابد من الاشارة إلى مجموعة من الامور المستفادة منه , وهي :
أولا : الارادة والاختيار في العبادة:
إن الهيئة التركيبية لجملة إياك نعبد تدل على حصر العبادة ويستفاد من الحصر بأن خضوع الانسان لله خضوع مطلق ينسحب على كل أعماله وتصرفاته. كما أن هذا الخضوع هو خضوع اختياري , وبذلك يختلف عن الخضوع والعبادة الثابتة لكل الموجودات والكائنات فلو قلنا بأن مضمون إياك نعبد هو انشاء للعبادة وإيجادها لدل على ارادة الانسان انشاء العبادة حال النطق فهو خضوع وعبادة اختيارية , وأما لو كانت ذات مضمون اخباري فإن تغير اسلوب الحديث عن الغائب الحمدلله الى الحديث عن الحاضر المخاطب إياك نعبد يفهم منه التعبير عن حالة الاختيار أيضا .
ثانيا : تطابق الارادة مع الاحكام الشرعية :
إن عملية تكامل الانسان انما تتحقق مع وجود هذا الاختيار , ولكن لابد من ان يجعل ارادته واختياره متطابق مع الحكم الشرعي وما يسمى يالارادة التشريعية لله التي تشمل كل واجب ومحرم ومستحب ومكروه , بل وحتى المباحات.
ثالثا : معطيات الاسلوب القرآني :
واما فيما يتعلق باستخدام القرآن الكريم لصيغة الخطاب المفرد والمتكلم الجمع (إياك نعبد) ولم يقل (اياكم نعبد) او (اياكم اعبد ) او (اياك اعبد) فاستخدام ضمير المفرد المخاطب لله تعالى , وهيئة فعل المضارع الدال على الجمع للعبد , فإنه بالامكان استخلاص مجموعة من الخصوصيات من هذا الاستخدام ,ومن هذه الخصوصيات:
* أن الضمير المخاطب المفرد إياك يدل على الأخلاص والتوحيد في العبودية مع التعبير عن حالة الحضور , حيث أن ضمير الجمع قد يوهم الشرك والتعدد, فإن في تقديمه على الجملة إياك نعبد دلالة على حصر العبودية به تعالى الذي يفهم منه الاخلاص الكامل له تعلى .
* وفي اسلوب الخطاب دلالة على :
1- تدل الصياغة في إياك نعبد على ان العبادة مسؤولية جماعية وليست مسؤولية فردية , فالانسان مسؤول عن عبادته ومسؤول عن أن يعبد الآخرون معه الله تعالى .
2- كما أن هيئة الفعل الدالة على الجمع نعبد تجعل الفرد مندكا وذائبا في الجماعة ولا يرى العابد نفسه شيئا أمام الله تعالى , والميل إلى الطغيان.
الأهداف التربوية والعقائدية :
اولا : الأهداف العقائدية:
حيث تم تأكيد جانب التوحيد الخالصة , ومن خلال إياك نستعين أكدت حاجة وفقر الانسان للاستعانة بالله في ل اعماله وتصرفاته التي هي فكرة عقائدية أيضا.
ثانيا: الأهداف التربوية:
يفهم من خلال قوله تعالى إياك نعبد العبادة المطلقة الشاملة , وهذا يدل على أن بإمكان العبد أن يجعل حالة العبادة تعم كل تصرفاته وأفعاله حتى تلك التي يهواها في نفسه من أكل وشرب وغرائز مختلفة, حيث يمكنه أن يمارس كل ذلك بقصد التقرب لله تعالى والشكر له على هذه النعم.
ــ وأن الإنسان كلما اقترب من الحالة الواقعية لـ إياك نعبد بمعنى المطلق الشامل , أي بمعنى أنه يجعل كل وجوده خاضعا لله تعالى كلما اقترب من الله عز وجل وترقى في سلم التكامل والتطور , لأنه طريق التكامل للانسان هو العبادة الاختيارية له .
ــ وأن الانسان ليس له وجود مستقل قبالة الجماعة , وإن تكامله - وإن كان بالامكان ان يحصل بشكل فردي - تكامل محدود , وأن الحالة الفضلى للتكامل ما تتم من خلال الجماعة , ولذلك جعل مكلفا وموظفا لتغيير الجماعة وإيجاد التكامل فيها.
ــ وأن الانسان لا يمكنه ان يسير في طريق التكامل اعتمادا على ارادته واختياره فحسب , بل لا بد له من الاستعانة بالله تعالى حتى وإن كان عابدا مختارا , وأن تكامل ومستقبله مرهون بيد الله ولا يستطيع أن يرسمه هو وحده , إذ لا بد فيه من أن تتطابق إرادته مع إرادة الله التشريعية , وهذا الأمر لا يحصل إلا من خلال العون الالهي.
مفردات المقطع الثالث:
[اهدنا الصراط المستقيم]
الهداية لغة : الدلالة إلى شيء بلطف (الألهام والدلالة) ولا شك أن من يقف بين يدي الله مصليا أو قارئا للقرآن ويقول : اهدنا الصراط المستقيم لابد أن يفترض فيه أنه قد اهتدى إلى الله تعالى ونبة الرسول و الاسلام والقرآن قبل هذا الكلام , وإلا لما كان هناك معنى لدعائه الله عز وجل من القرآن الكريم وهو لا يعرفه ولا يعتقد به.
إذا كان كذلك فما هو المقصد ـــ إذن ـــ من الصراط المستقيم الذي يطلب الداعي الهداية له ؟ بل ما هو المطلوب من الهداية هذه بعد أن أصبح الانسان مهتديا بالاسلام؟ وما هو مضمون هذا الدعاء الذي يراد تعليمه الإنسان المسلم المهتدي؟
لقد ذكرصاحب مجمع البيان أحتمالات ثلاثة:
* الأول معناه ثبتنا على الدين الحق لأن الله تعالى قد هدى الخلق كلهم.
* الثاني : أن الهداية هي الثواب .
* الثالث : أن المراد دلنا على الدين الحق في مستقبل العمر كما دللتنا عليه في الماضي ويكون هدف الآية المباركة هو تعلم الإنسان ممارسة هذا العمل العبادي حتى لو كان مضمونه طلب ما هو حاصل , ولعل الاحتمال الثالث هو الارجح في المقام , ويكون جمعه مع الاحتمال الاول بنحو من الانحاء فنتصور ان الانسان في مسيرته وحياته العملية بحاجة دائمة ومستمرة إلى الهداية , لأن كل خطوة من خطواته في هذه المسيرة تحتاج إلى رؤية ودلالة من قبل الله تعالى حتى تكون خطوة على الطريق المستقيم الذي هو طريق التصاعد والتكامل , فهو في الخطوة الاولى وإن كان مهتديا إلا أنه يحتاج في الخطوة الثانية إلى هداية جديدة كي يطويها في طريق التكامل والصعود إلى أن يصل إلى النهاية المتمثلة بالكمال والجنة بدرجاتها العالية.
ويكون طلب التثبيت على الهداية طلبا لأن يكون الانسان مستمرا على طريق الهداية والتكامل فيها لا مجرد الثبات على الهداية والبقاء عليها , وبهذا يكون هذا الدعاء لشيء غير حاصل لأنه دعاء وطلب لهداية جديدة.
وعلى كل حال فان الانسان المسلم لابد له من ان يكرر هذا القول : اهدنا الصراط المستقيم حتى لو عرف كثيرا من مفاهيم وحقائق واحكام الدين , بل يكرره حتى الرسول , لأن حالة الكمال المطلق لا تتم إلا في الله عز وجل , والانسان يتدرج في طريق الكمال المطلق حتى يصبح قاب قوسين أو ادنى منه تعالى , ولذلك فهو يحتاج إلى طلب الهداية الطريق بشكل مستمر.
الصراط:
يذكر أهل اللغة أن للصراط والسبيل والطريق معنى واحد وأن كان لكل منها منشأ اشتقاقي مختلف عن الآخر.
وأما السراط : فهو الطريق المستسهل , أصله من سرطت الطعام وزردته : ابتلعته , فقيل للطريق سراط لأنه يبتلعه سالكه او او يبتلع سالكه.
المستقيم:
المستقيم لغة: المعتدل , والاستقامة هي الاعتدال , وتقال في الطريق الذي يكون على خط مستو وبه شبه طريق المحق.
وما هو المراد مصداقا للسراط المستقيم؟
ذكر أهل التفسير عدة اختمالات منها:
* القرآن الكريم , وقال في مجمع البيان : وهو المروي عن النبي وعلي وفي الدر المنثور عن ابن مسعود قال : هو كتاب الله.
* النبي والأئمة من أهل البيت.
* الاسلام.
* وقال بعضهم بأن المقصود به هو كل ما يصل إلى الله.
ابعاد الصراط
الأول /الذين أنعمت عليهم :
والنعمة في أصل اللغة ــ كما قيل ــ هي الزيادة في دقة الشيء , قال الطبرسي أصل النعمة المبالغة والزيادة , يقال دققت الدوا فأنعمت دقه , أي بالغت في دقه فهو من النعومة في مقابل الخشونة والشدة في الشيء , وقال الراغب : النعمة : الحالة الحسنة.
ويراد بهذا اللفظ عرفا التعبير عن اللطف الزائد , وعندما ينسب إلى الله عز وجل فإن لطف الله أدق وأزيد من كل لطف متصور.
ما هو مصداق الذين أنعم الله عليهم؟
* قال بعضهم بأن المقصود بهم هم الانبياء والصديقون والشهداء والصالحون بقرينه قوله تعالى : { ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } وهذا ما روي عن علي عليه السلام في تفسير الذين انعمت عليهم.
* واختار عبد القاهر الجرجاني قولا آخر , قال : هو المعنى العام , فكان الداعي يطلب من الله عز وجل أن يهديه إلى ذلك الصراط الذي يكون من يسلكه موضع نعمته ورحمته وأن يكون ممن ينعم عليهم , بغض النظر عن وجود من وقعت عليه هذه النعمة من المصاديق أم لا.
وهذا الاحتمال وإن كان وجيها في نفسه إلا أن الصورة التي تتبادر إلى الذهن وتكون أكثر تجسيدا إنما هي صورة التي تشير إلى واقع محسوس و موجود في حياة الإنسانية , بعد تشخص المسيرة الالهية في مصاديق عبر التاريخ الانساني والرسالات السماوية وهذا ما يتناسب مع الاحتمال الاول .
الثاني ـــ غير المغضوب عليهم :
الغضب : ثوران دم القلب ارادة للانتقام .
وإذا وصف الله تعالى به , فالمراد الانتقام دون غيره إذ لا يتصور ثوران الدم في الذات الالهية , فالغضب ــ إذن ــ الارادة القوية للاتنقام.
((نزف ^^ المشاعر))
12-15-2008, 12:47 PM
ما هو مصداق المغضوب عليهم؟
* أورد الجرجاني ما اوردة في انعمت عليهم .
* وقال آخرون المراد منهم اليهود بقرينة بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن نزول الغضب الالهي على اليهود .
* وأضاف اليهم بعض آخر المشركين والمنافقين لهذه القرينة , حيث وردت في القرآن الكريم الاشارة إلى نزول الغضب على المنافقين والمشركين أيضا .
الثالث ــ ولا الضالين :
للضلال كما يذكر أهل اللغة معنيان :
1- الضلال هو الهلاك .
2- هو عدم السير في الطريق المستقيم عمدا كان أو سهوا أو جهلا , قليلا كان أو كثير .
ولعل المعنى الثاني هو الاقرب بقرينة نسبته إلى الانبياء : بنحو لا ينافي العصمة وإلى من صدر منه ترك الطريق المستقيم سهوا أو بدرجة قليلة .
مصاديق الضالين : اليهود والنصارى..
الضالين : الشكاك الذين لا يعرفون الإمام .
وأورد الجرجاني هنا ما اورده في انعمت عليهم والمغضوب عليهم في أن الآية المباركة ليست في صدد بيان مصاديق الضالين , بل أن الانسان في مقام الدعاء والطلب من الله تعالى في أن لا يكون في الموضع الذي يتعرض فيه للضلالة عن الهدى.
حدا الصراط :
* جانبه الإيجابي المتمثل في أن يكون الإنسان في نعرض نعمة الله تبارك وتعالى .
* جانبه السلبي المتمثل في أن لا يكون الإنسان ضالا أو في معرض الغضب الالهي.
تفسير آخر للصراط : وهناك تفسير آخر للصراط المستقيم يقترب كثيرا من التفسير السابق ويبتني على فكرة أن للإنسان حالات ثلاثا هي :
الأولى : حالة الاستقامة ويكون فيها في موضع الرحمة والنعمة الإلهية وفي طريق التكامل والصعود .
الثانية : حالة التمرد على الله تبارك وتعالى , ويكون فيها في موضع الغضب الالهي وفي طريق التسافل والتنازل .
الثالثة : حالة التيه الذي لا يعرف معه طريق المستقيم وهل هو في صعود وتكامل أم في حالة نزول وتسافل , وهذه الحالة هي حالة الضلال .
تخير الصراط ولم يتخير الطريق أو السبيل فلما؟
لأنه أوسع وأرحب يسع لكل السالكين وكأنه يبتلعهم من كثرتهم أما السبيل يسع فيه الكثير ولكن ليس الكل .
لماذا تخير اهدنا بدل اهدني ؟
* لمناسبة السياق في الآيات السابقة .
* أشاعة روح الجماعة وقتل روح الأثرة والأنانية .
* الإجتماع على الهدى دليل القوة فإن كثر السالكين زاد الأنس .
* الإجتماع رحمة والفرقة عذاب .
نلاحظ الشكل الخارجي (أهدنا) ليس فيه قديم مثل ( أيانا أهدي) فلماذا؟
هنا لا يصح لأنه لو قدم لأفاد التخصيص فلا يجوز أن نقول خصنا بالهداية ولا تهدي أحدا غيرنا.
تخير كلمة اهدنا فقط ولم يقل اهدنا إن شئت أو أحببت فلماذا؟
لأن الطلب جاء جازما وذلك لأن الله يحب إلحاح الملحين من عباده.
تخير انعمت بالماضي ولم يقل تنعم بالمضارع فلماذا؟
* ليبين بأن الصراط قد تحقق عليهم النعمة.
* حتى لا يغفل عن الذين أنعم الله عليهم سابقا من الرسل.
* حتى لا يحتمل أن يكون صراط الأولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل.
* الماضي يفيد أنه بمرور الزمن يكثر عدد الذين أنعم الله عليهم.
لما تخير كلمة الغضب في ( المغضوب) ؟
ليعرف الإنسان السبب في سلب النعمة.
لما تخير انعمت بالفعل والمغضوب والضالين بالاسم؟
لأن الفعل يفيد التصرم والزوال فهو يريد تقرير فعلية الغضب والضلال على الدوام وهذا أشد وأدعى.
تخير كلمة المغضوب بدل أغضبت فلما؟
ليعم الغضب من الله والملائكة وكل الناس فيشمل غضب الله وغضب الغاضبين.
ما موقع كلمة لا بعد الضالين ولم جاء بها؟
لها أثر كبير في الجملة فلو لم يذكرها لفهم الأبعاد فقط إذا اجتمعوا وإذا لم يجتمعوا فلا يدخل الأستثناء .
نلاحظ الشكل الخارجي فيه تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلما؟
لأنهم أشد من الضالين فقد عرفوا ربهم ثم أنحرفوا.
نلاحظ ترابط بين آيات السورة فالخاتمة مناسبة لبدايتها ويتضح ذلك في :
* من لم يحمد الله فهو مغضوب عليه ومن الضالين.
* من لم يؤمن بيوم الدين ولم يخص العبادة والاستعانة بالله ولم يهتدي إلى الصراط فهو مغضوب عليه ومن الضالين.
المضمون الاجمالي لهذا المقطع الشريف:
ترابط سياقي مع المقطعين السابقين , لأنه تضمن دعاء وطلبا من العبد تجاه الله تبارك وتعالى , وهذا الدعاء بمضمونه يمثل هدف وطموح مسيرة الانسان التكاملية التي حددت من خلال المقطع الاول والثاني السابقين , لأنه لابد من وجود هدف وطموح لكل مسيرة تكاملية , وهذا المقطع يمثل هذا الهدف وهذا الطموح , كما أنه استجابة للشعور بالحاجة إلى الله تعالى.
وقد أشار هذا المقطع إلى جملة من المعاني والمضامين العلية , منها:
أولا ــ التكامل نزعة فطرية.
ثانيا ــ التوفيق الالهي سبب للوصول إلى الهدف.
ثالثا ــ الطابع الفطري للصراط المستقيم : أن القرآن الكريم وصف هذا الهدف الذي يطلبه الانسان بـ المستقيم , والاستقامة لفظ محبب لدى الانسان السليم السوي , وتميل اليه نفسه وتجاوب معه فطرته فالصراط منسجم مع الفطرة الانسانية ويوصل الانسان إلى الهدف التكاملي له.
رابعا ــ الحدود الموضوعية للصراط : يتحدد الصراط ببعده الايجابي المتمثل بالشريعة والكتاب والتجسيد العلمي لهما في القدوة الحسنة وببعده السلبي المتمثل بالتمرد والطغيان والعتو والحيرة والضياع.
المضمون العقائديوالتربوي :
وقد تعرض هذا المقطع الشريف لمجموعة من المضامين العقائدية والتربوية اشير اليها سابقا , ونجملها بما يلي:
أولا ــ المضامين العقائدية :
* إن الله تعالى اودع في الانسان نزعة فطرية تدفعه نحو الكمال.
* تعرض المقطع الشريف إلى خط النبوة الوحي , الانبياء , الكتب ودوره في هداية الانسان .
* الإيمان بالتوفيق الالهي والرعاية الالهية في الوصول إلى الهدف والكمالات .
* أن مسيرة التكامل الانساني هي المسيرة التي تكون منسجمة مع تلك المثل والقيم الفطرية .
ثانيا ــ المضامين التربوية :
ومن اهم المضامين التربوية التي يمكن استخلاصها من هذه الآيات المباركات التي أشير إليها سابقا , ما يلي :
* القدوة الحسنة ودورها المكمل لدور المفاهيم والافكار في عملية تربية وتكامل الانسان .
* دور التجسيد في وضوح المسيرة.
الخلاصة :
من خلال دراسة هذه المقاطع الشريفة الثلاثة , يمكن أن نحدد أمور ثلاثة عامة هي :
1- أن هذه المقاطع يترابط بعضها مع بعضها الآخر سياقيا.
2- أنها بمجموعها تشكل صورة كاملة لقضية واحدة هي مسيرة الانسان منذ بدايتها وأهدافها وحتى نهايتها .
3- انها تحتوي على مجمل المفاهيم والمعاني الأساسية التي يتضمنها الدين الاسلامي والقرآن الكريم .
أتمنى الفائدة للجميع من هذا الدرس الحوزوي البسيط في مادة (التدبر)
تراني تعبت واني اكتبه يعني ابغى الفائدة تعم الجميع ...
تقبلوا تحياتي .. **(نزف المشاعر)**..
أكرفيه للأبد...
12-15-2008, 01:38 PM
طرح أكثر من رائع ..
نلتمس منه الكثير الكثير .
دمتي متألقه ..
أختك
حوريه من نور
12-15-2008, 06:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مشكوووره اختي على الطرح الراااائع
موفق لكل خير
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012,