حوريه من نور
06-09-2009, 05:49 PM
مقتطفات من أقوال الإمام الصادق "ع" للمفضّل بن عمر
( منفعة الأطفال في البكاء )
اعرف ْ يا مفضَّل ما للأطفال في البكاء من المنفعة . واعلم أن ّ في أدمغة الأطفال رطوبة ، إن ْ بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثاً جليلة وعللا ً عظيمة ، من ذهاب البصر وغيره ، والبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم والسلامة في أبصارهم . أفليس قد جاز أن ْ يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا يعرفان ذلك فهما دائبان ,1,
ليسكتانِه ويتوخيان ,2, في الأمور مرضاته لئلا يبكي ، وهما لا يعلمان أن ّ البكاء أصلح له وأجمل عاقبة ، فهكذا يجوز أن ْ يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال
ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشيء أنّه لا منفعة فيه ، من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه ، لأن ّ كل ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون ,3, وكثيراً ما يقصُر عنه على المخلوقين محيط به علم الخالق جل ّ قدسُه وهلت ْ كلمتُه .
فأما ما يُسيل من أفواه الأطفال من الريق ، ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة ، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة ، فأخرجته إلى حد ِّ البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الأمراض المتلفة كالفالج ,4, واللقوة ,5, وما أشبههما ، فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم ، لِمَا لهم في ذلك من الصحة في كبرهم ، فتفضَّل َ على خلقه بما جهلوه ونظر لهم بما لم يعرفوه ، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من التمادي في معصيته ، فسبحانه ما أجل ّ نعمته وأسبغَها على المستحقّين وغيرهم من خلقه ، تعالى عما يقول المبطلون ,6, علواً كبيراً .
( ما سُتر َ عن الإنسان علمُه من مدة حياته )
تأمّل ْ الآن يا مفضّل ما سُتر َ عن الإنسان علمُه من مدّة حياته ، فإنّه لو عرف مقدار عمره - وكان قصير العمر - لم يتهنّأ بالعيش ، مع ترقّب الموت وتوقّعه ، لوقت ٍ قد عرفَه ،
بل كان يكون بمنزلة ِ مَن ْ قد فنى مالُه ، أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر ، والوجل من فناء مالِه وخوف الفقر على أن َّ الذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال ، لأن ّ مَن ْ يقل ُّ مالُه أن ْ يستخلف منه ، فيسكن إلى ذلك ، ومَن ْ أيقن َ بفناء العمر استحكم عليه اليأس وغن ْ كان طويل العُمر ، ثم ّ عرف ذلك ، وثق بالبقاء ، وانهمك في اللذات والمعاصي ، وعمل على أنّه يبلغ من ذلك شهوتَه ، ثم ّ يتوب في آخر عمره ، وهذا مذهب ٌ لا يرضاه الله مِن ْ عباده ولا يقبله ، ألا ترى لو أن ّ عبداً لك عمِل َ على أن ْ يُسخطَك سنة ً ويُرضيك َ يوماً أو شهراً ، لم تقبل ذلك منه ، ولم يحل َّ عندك محل َّ العبد الصالح دون أن يُضمر َ طاعتَك َ ونُصحَك في كل ِّ الأمور ؟ وفي كل ِّ الأوقات ، على تصرف الحالات ( فإن ْ قلت َ ) أو َ ليس َ قد يُقيم الإنسان على المعصية حيناً لغلبة الشهوات له وتركه مخالفتَها . مِن ْ غير أن ْ يُقدِّرَها في نفسِه ، ويبني عليه امره ، فيصفح الله عنه ، ويتفضّل عليه بالمغفرة . فأما مَن ْ قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ، ثم ّ يتوب آخر ذلك ، فإنّما يحاول خديعة مَن ْ لا يُخادع ، بأن ْ يتسلّف ,7, التلذذ في العاجل ، ويعِد ويمنِّي نفسَه التوبة في الآجل ، ولأنّه لا يفي بما يعِد من ذلك ، فإنّ النزوع من الترفُّه والتلذذ ومعاناة ,8, التوبة ، ولا سيما عند الكبر وضعف البدن ، أمر صعب ، ولا يؤمن على الإنسان ، مع مدافعته بالتوبة أن يُرهقه الموت ، فيخرج من الدنيا غير َ تائب ، كما قد يكون على الواحد دَيْن إلى أجل ، وقد يقدر على قضائه ، فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل ّ الأجل ، وقد نفذ المال ، فيبقى الدَّين قائماً عليه ، فكان خير الأشياء للإنسان أن يستر عنه مبلغ عمره ، فيكون طول عمره يترقّب الموت ، فيترك المعاصي ، ويؤثر العمل الصالح ( فإن ْ قلت َ ) : وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته ، وصار يترقّب الموت في كل ّ ساعة يُقارف ,8, الفواحش وينتهك المحارم ,9, ( قلنا ) : إن ّ وجه التدبير في هذا الباب ، هو الذي جرى عليه الأمر فيه فإن ْ كان الإنسان
مع ذلك لا يرعوي ,10, ولا ينصرف عن المساويء ، فإنّما ذلك من مرحِه ومِن ْ قساوة قلبه ، لا مِن ْ خطأ في التدبير ، كما أن ْ الطبيب قد يصِف للمريض ما ينتفع به ، فإن ّ كان المريض مخالفاً لقول الطبيب ، ولا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عمّا ينهاه عنه ، لم ينتفع بصفته ، ولم تكن ْ الإساءة في ذلك للطبيب بل للمريض ، حيث لم يقبل منه . فإنّه لو وثِق َ بطُول البقاء كان أحرى بأن ْ يخرج َ إلى الكبائر الفظيعة ... فترقُّب الموت على كل حال خير ٌ له من الثقة بالبقاء ثم ّ إن ّ ترقُّب الموت وإن ْ كان صِنف ٌ من الناس يلهون عنه ، ولا يتّعظون به فقد يتّعظ به صِنف ٌ آخر منهم ، وينزعون عن المعاصي ، ويُؤثرون العمل الصالح ، ويجودون بالأموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين فلم يكن ْ مِن ْ العدل أن ْ يُحرَم َ هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضْييع أولئك حظَّهُم منهم . ,*,
والحمدلله أولاً وآخراً
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطّيبين الطاهرين .
,1, الدؤب : الجد والتعب .
,2, التوخّي : التحرّي والقصد .
,3, الفالج : داء يحدث في أحد شقّي البدن ، فيبطل إحساسه وحركته .
,4, المبطلون : كل مَن جاء ْ بالباطل .
,5, التسلّف : الاقتراض كأنّه يُجري معاملة مع ربّه ، بأن ْ يتصرّف في اللذات عاجلاً ويعِد ربّه في عوضِها التوبة ليؤدّي إليه آجلاً ... وفي بعض النسخ يستسلف وهو طلب وبيع الشيء سلفاً .
,6, المعاناة : مقاساة العناء والمشقّة .
,7, يقارف : المقارفة بمعنى الارتكاب وفعل الشيء .
,8, المحارم : جمع محرم وهو الحرام .
,9, الارعواء : الكف عن الشيء ، أو الندم على الشيء والانصراف عنه وتركه .
,10, العقائل : جمع عقيلة والعقيلة من الابل هي الكريمة ، والعقيلة من كل شيء هي أكرمه .
,*, المصدر : توحيد المفضّل بن عمر الجعفي
إملاء الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) .
( منفعة الأطفال في البكاء )
اعرف ْ يا مفضَّل ما للأطفال في البكاء من المنفعة . واعلم أن ّ في أدمغة الأطفال رطوبة ، إن ْ بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثاً جليلة وعللا ً عظيمة ، من ذهاب البصر وغيره ، والبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم والسلامة في أبصارهم . أفليس قد جاز أن ْ يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا يعرفان ذلك فهما دائبان ,1,
ليسكتانِه ويتوخيان ,2, في الأمور مرضاته لئلا يبكي ، وهما لا يعلمان أن ّ البكاء أصلح له وأجمل عاقبة ، فهكذا يجوز أن ْ يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال
ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشيء أنّه لا منفعة فيه ، من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه ، لأن ّ كل ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون ,3, وكثيراً ما يقصُر عنه على المخلوقين محيط به علم الخالق جل ّ قدسُه وهلت ْ كلمتُه .
فأما ما يُسيل من أفواه الأطفال من الريق ، ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة ، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة ، فأخرجته إلى حد ِّ البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الأمراض المتلفة كالفالج ,4, واللقوة ,5, وما أشبههما ، فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم ، لِمَا لهم في ذلك من الصحة في كبرهم ، فتفضَّل َ على خلقه بما جهلوه ونظر لهم بما لم يعرفوه ، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من التمادي في معصيته ، فسبحانه ما أجل ّ نعمته وأسبغَها على المستحقّين وغيرهم من خلقه ، تعالى عما يقول المبطلون ,6, علواً كبيراً .
( ما سُتر َ عن الإنسان علمُه من مدة حياته )
تأمّل ْ الآن يا مفضّل ما سُتر َ عن الإنسان علمُه من مدّة حياته ، فإنّه لو عرف مقدار عمره - وكان قصير العمر - لم يتهنّأ بالعيش ، مع ترقّب الموت وتوقّعه ، لوقت ٍ قد عرفَه ،
بل كان يكون بمنزلة ِ مَن ْ قد فنى مالُه ، أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر ، والوجل من فناء مالِه وخوف الفقر على أن َّ الذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال ، لأن ّ مَن ْ يقل ُّ مالُه أن ْ يستخلف منه ، فيسكن إلى ذلك ، ومَن ْ أيقن َ بفناء العمر استحكم عليه اليأس وغن ْ كان طويل العُمر ، ثم ّ عرف ذلك ، وثق بالبقاء ، وانهمك في اللذات والمعاصي ، وعمل على أنّه يبلغ من ذلك شهوتَه ، ثم ّ يتوب في آخر عمره ، وهذا مذهب ٌ لا يرضاه الله مِن ْ عباده ولا يقبله ، ألا ترى لو أن ّ عبداً لك عمِل َ على أن ْ يُسخطَك سنة ً ويُرضيك َ يوماً أو شهراً ، لم تقبل ذلك منه ، ولم يحل َّ عندك محل َّ العبد الصالح دون أن يُضمر َ طاعتَك َ ونُصحَك في كل ِّ الأمور ؟ وفي كل ِّ الأوقات ، على تصرف الحالات ( فإن ْ قلت َ ) أو َ ليس َ قد يُقيم الإنسان على المعصية حيناً لغلبة الشهوات له وتركه مخالفتَها . مِن ْ غير أن ْ يُقدِّرَها في نفسِه ، ويبني عليه امره ، فيصفح الله عنه ، ويتفضّل عليه بالمغفرة . فأما مَن ْ قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ، ثم ّ يتوب آخر ذلك ، فإنّما يحاول خديعة مَن ْ لا يُخادع ، بأن ْ يتسلّف ,7, التلذذ في العاجل ، ويعِد ويمنِّي نفسَه التوبة في الآجل ، ولأنّه لا يفي بما يعِد من ذلك ، فإنّ النزوع من الترفُّه والتلذذ ومعاناة ,8, التوبة ، ولا سيما عند الكبر وضعف البدن ، أمر صعب ، ولا يؤمن على الإنسان ، مع مدافعته بالتوبة أن يُرهقه الموت ، فيخرج من الدنيا غير َ تائب ، كما قد يكون على الواحد دَيْن إلى أجل ، وقد يقدر على قضائه ، فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل ّ الأجل ، وقد نفذ المال ، فيبقى الدَّين قائماً عليه ، فكان خير الأشياء للإنسان أن يستر عنه مبلغ عمره ، فيكون طول عمره يترقّب الموت ، فيترك المعاصي ، ويؤثر العمل الصالح ( فإن ْ قلت َ ) : وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته ، وصار يترقّب الموت في كل ّ ساعة يُقارف ,8, الفواحش وينتهك المحارم ,9, ( قلنا ) : إن ّ وجه التدبير في هذا الباب ، هو الذي جرى عليه الأمر فيه فإن ْ كان الإنسان
مع ذلك لا يرعوي ,10, ولا ينصرف عن المساويء ، فإنّما ذلك من مرحِه ومِن ْ قساوة قلبه ، لا مِن ْ خطأ في التدبير ، كما أن ْ الطبيب قد يصِف للمريض ما ينتفع به ، فإن ّ كان المريض مخالفاً لقول الطبيب ، ولا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عمّا ينهاه عنه ، لم ينتفع بصفته ، ولم تكن ْ الإساءة في ذلك للطبيب بل للمريض ، حيث لم يقبل منه . فإنّه لو وثِق َ بطُول البقاء كان أحرى بأن ْ يخرج َ إلى الكبائر الفظيعة ... فترقُّب الموت على كل حال خير ٌ له من الثقة بالبقاء ثم ّ إن ّ ترقُّب الموت وإن ْ كان صِنف ٌ من الناس يلهون عنه ، ولا يتّعظون به فقد يتّعظ به صِنف ٌ آخر منهم ، وينزعون عن المعاصي ، ويُؤثرون العمل الصالح ، ويجودون بالأموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين فلم يكن ْ مِن ْ العدل أن ْ يُحرَم َ هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضْييع أولئك حظَّهُم منهم . ,*,
والحمدلله أولاً وآخراً
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطّيبين الطاهرين .
,1, الدؤب : الجد والتعب .
,2, التوخّي : التحرّي والقصد .
,3, الفالج : داء يحدث في أحد شقّي البدن ، فيبطل إحساسه وحركته .
,4, المبطلون : كل مَن جاء ْ بالباطل .
,5, التسلّف : الاقتراض كأنّه يُجري معاملة مع ربّه ، بأن ْ يتصرّف في اللذات عاجلاً ويعِد ربّه في عوضِها التوبة ليؤدّي إليه آجلاً ... وفي بعض النسخ يستسلف وهو طلب وبيع الشيء سلفاً .
,6, المعاناة : مقاساة العناء والمشقّة .
,7, يقارف : المقارفة بمعنى الارتكاب وفعل الشيء .
,8, المحارم : جمع محرم وهو الحرام .
,9, الارعواء : الكف عن الشيء ، أو الندم على الشيء والانصراف عنه وتركه .
,10, العقائل : جمع عقيلة والعقيلة من الابل هي الكريمة ، والعقيلة من كل شيء هي أكرمه .
,*, المصدر : توحيد المفضّل بن عمر الجعفي
إملاء الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) .